لم يكن من قبيل المصادفة أساساً أن أكتب أنا السيدة الألمانية هذا الكتاب، فالعرب والألمان لا تربطهم فقط أيام دولتهم القوية التي انقسمت الآن، والتي بدأ صعودها من جديد بقوة وحيوية وعزم، إنما هي رابطة قوية من الفكر والثقافة، وقد وثقت العرى بينهما، وامتدت جذورها في أعماق التاريخ، واستمرت على مر القرون، ومازالت آثارها حتى اليوم
.بقلــــــــــم: زيغـــــــــريد هونـــــــــــكه
لقد امتازت كتب العرب على أنواعها المختلفة، من كتب مختصرة إلى موسوعات ضخمة، ومن جداول للطلاب في شكل أسئلة وأجوبة إلى كتب تمهيدية ولوائح جامعة ضمت بين دفتيها معارف العصور السابقة والعصور الحاضرة، منظمة كأحسن ما يكون التنظيم، متسلسلة كأحسن ما يكون التسلسل، ومشروحة في تفصيل جعل منها ثمرة سائغة في متناول الجميع وكل من سعى وراء العلم.
نقول، لقد امتازت الكتب هذه بروح علمي أصيل، عبرت عن موهبة منهجية نظامية رائعة وعبقرية خلاقة. كانت توضح كل ما استغلق وتفسر كل ما غمض، وتمعن في الوصف الدقيق لكل العوارض وأشكالها وتطورها.
في النصف الأول من القرن التاسع صور بن مسكويه صورة شاملة لمرض الجذام، دون أن يربطه بغضب السماء أو عقاب الله، بل صوره كمرض معدٍ اهتم به أطباء كثيرون غيره، كإبن الجزار من مدينة القيروان الذي كتب مفصلاً أسبابه وطرق علاجه، والحق يقال أن العاطفة الإنسانية التي كانت رائدة في معالجة المرضى، أياً كان نوع المرض وأياً كان خطره هي مشرفة كل التشريف ولم يعرف لها الأوروبيون مثيلاً بل لجأوا إلى معاملة المرضى الذين لا رجاء في شفائهم معاملة الحيوانات الضارية. فكانوا يقصونهم عن المجتمع ويرمون بهم في أعماق السجون المظلمة وكأنهم مجرمون أشرار لا خير منهم ولا يستحقون رحمة أو شيئاً من العدالة الإنسانية. نقول في الوقت الذي كان الأوروبيون يتصرفون هذا التصرف، كان العرب يخصصون المستشفيات أو أجنحة المستشفيات لمرضى الجذام وغير ذلك. وكان عزل المرضى في أوروبا عن بقية البشر عملاً حللته الكنيسة، واشترك في تنفيذه رجال الدين ورجال الدولة، الأمر الذي كان يدفع بالمريض إلى الشعور بأنه جثة ميت حي، أو حي في عداد الأموات.
ففي فرنسا كان المريض بداء الجذام قبل أن تسقط عنه حقوق انتسابه لكنيسة وحقوقه كإنسان بشكل نهائي، يمنح قداساً يذهب بموجبه هذا التعيس إلى حفرة في ساحة الكنيسة، يقذفه الكاهن بالتراب ثلاثة مرات، وكأنه يودع الحياة وداعاً أبدياً، ثم ينفى إلى بقاع نائية مخصصة لمرضى الجذام. وحتى الأوبئة المميتة التي كانت تعيث فساداً مخيفاً في أوروبا خلال القرن الرابع عشر كالطاعون فإنها لم تخف العرب، ولم يكن لها أية أسباب سحرية أو سماوية بالنسبة إليهم.
وفي المغرب العربي كتب أبو القاسم الزهراوي ونجم الجراحة العربية الساطع في قصر الحكم الثاني في قرطبة، كتب كتابه الشامل كل تجاربه الخاصة »التصريف لمن عجز عن التأليف«، وقد مثل الجزء الثالث من هذا الكتاب دوراً مهماً في أوروبا إذ وضع أسس الجراحة الأوروبية، وسما بهذا الفرع من الطب الذي طالما نظر إليه أصحاب الأمر والشأن في البلاد الغربية نظرة احتقار وتسفيه، سما به إلى مقام رفيع فأصبحت الجراحة مستقلة بذاتها، ومعتمدة في أصولها على علم التشريح.
إن كل هذه المؤلفات لأبرع العرب مع الكتاب الملكي أيضاً وكتب أعاظم الإغريق والإسكندريين لا يبهت لونها ويقل شأنها أمام كتاب القانون لأمير الأطباء الرئيس إبن سينا، ذلك الكتاب الذي كان له أعظم الأثر في بلاد الشرق وبلاد الغرب على حد سواء قروناً طويلة من الزمن بشكل لم يكن له أي مثيل في تاريخ الطب إطلاقاً، وأية عبقرية هذه التي جمعت كل هذه المعارف النظرية والعملية للطب مع كل فروعها، ونظمتها في شكل فريد في نوعه، ودبجتها ببراعة هي البلاغة والأصالة بعينها، فأصبح الكتاب تحقيقاً مهماً فريداً من نوعه بين كتب الطب في كل العصور كما يقول سيدرهوف هذا، وكان قد أزمع الرئيس أن يلحق بالقانون مجموعة من ملاحظاته وأبحاثه، ولكنها ضاعت قبل أن تنشر، غير أن المقدرة الفائقة وروعة التصوير العظيمة الشأن عند إبن سينا ككاتب قد بهرت العالم بقوة، بحيث إن الجميع أغفلوا فيه شخصية الباحث والعلامة التجريبي، وصرفوا همتهم إلى إبداء آيات الإعجاب، فعدوه سيد النظام والشكل، ورأوا فيه ما فقدوه في بطل الإغريق غالينوس، لقد رأوا فيه مكمل الغالينية العظيم، وقد كان هذا التقدير عن استحقاق، وذلك أن الرئيس قد تفوق على الجميع بتنظيمه المنهجي وتقسيمه المنطقي ووضوحه البليغ وترتيبه الباهر وتماسكه المحمود.
|