لقد وفق ابن سينا في إلقاء
الظل على شهرة جالينوس والإغريق، وما
العربي الثاني الذي يطل بعينيه
الثاقبتين في القاعة الكبيرة في مدرسة
الطب بباريس إلا ابن سينا أعظم معالم
الغرب خلال سبعمائة سنة، هكذا ترى ابن
سينا المعجزة التي حققها العرب،
المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه
تنصف العرب الذين يدين لهم الغرب وتدين
لهم الانسانية كلها، وتكرم العبقرية
العربية في مجال العلم والإبداع.
إن سيلاً عرماً من نتاج الفكر
العربي ومواد الحقيقة والعلم قد نقحته
أيد عربية ونظمته وعرضته بشكل مثالي،
قد اكتسح أوروبا ولو في رداء ركيك من
اللغة اللاتينية، وغمر أرضها الجافة،
فأشبعها كما يشبع الماء الرمال
الظمأى، وبعد الموجة الأولى التي سمت
بسلارنو إلى ذرى من الشهرة العالمية لا
تضاهى، وجاءت الموجة الثانية، فبعثت
الحياة النابضة في مدينة مونبلييه
الواقعة على مفترق الطرق بين أسبانيا
وما تبقى من بلاد الغرب، وأمدت مدرسة
بولونيا الايطالية وجامعاتها بدفعات
جديدة من الذخر العربي، وأعطت مواد
الدراسة المثالية إلى باريس وأكسفورد،
وفي مراكز العلم الأوروبية لم يكن هناك
عالم واحد من العلماء إلا ومد يديه
للكنوز العربية هذه ليغرف منها ما شاء
الله له أن يغرف، وينهل منها كما ينهل
الظمآن من الماء العذب، رغبة منه في سد
الثغرات التي لديه وفي الارتقاء إلى
مستوى عصره العلمي، ولم يكن هناك كتاب
واحد من بين الكتب التي صدرت في أوروبا
آنذاك إلا وقد ارتوت صفحاته بالري
العميم من الينابيع العربية وأخذ عنها
إيماءاته، وظهر فيه تأثيرها واضحاً كل
الوضوح، ليس فقط في كلماته العربية
المترجمة، بل وفي محتواه وأفكاره.
فالكتب التي درسها الدارسون
واستند إليها الباحثون كانت كتب ابن
سينا أبوالقاسم الزهراوي والرازي وابن
زهير وحنين بن اسحق، وكما كانت الثقافة
اليونانية منهلاً للعرب كذلك أصبحت
الثقافة اليونانية العربية منهلاً
للأوروبيين المتعطشين للعلم
والمعرفة، وأساساً لعلم الطب الأوروبي.
ولعل فن الجراحة هو أبلغ دليل على أن لا
العرب ولا تراثهم مسؤولون عن ضياع الطب
الأوروبي في سراديب فلسفية ضيقة
خانقة، فهذا الفرع بالذات يدين للعرب
بتقدمه وصعوده من مرتبة المهن الحقيرة
الدنسة التي تكاد تكون بمنزلة مهنة
الجلادين والجزارين إلى القمة التي
عرفها على أيدي العرب. إذن فإلى العرب
وحدهم يعود فضل رفع هذا الفن العظيم
إلى المستوى الذي يستحقه، وإليهم
وحدهم يرجع فضل بقاء هذا العلم فرع
الطب الوحيد الذي حقق الآمال وحمل
الثمار دون أن يخنقه سرداب أو أن يحبسه
عن الانطلاق منطق جدلي.
ومهما كانت أساليب الكتب
العربية منطقية ومصقولة متعطشة لعلم
الجدل ككتاب القانون لابن سينا، فإنه
من الخطأ الكبير أن تلصق بالعرب تهمة
ضياع الطب العربي آنذاك في سراديب
الجدل والمنطق المدرسي، فذلك لا يجب
إطلاقاً أن يحبس التراث العربي في
زنزانة الفلسفة المدرسية، والدليل على
ذلك ما أخرجته المدارس الطبية العربية
للعالم من طبقة من الأطباء الماهرين
بفضل تقربها من الواقع، وتحرر فكرها من
قيود المعتقدات والسفسطة.