أهـميـــــــــة الرياضــــــــة في التنفيـس عـن الشـــباب
من كتــــــــــاب أصول الرياضة لجميع الأعمار للدكتور محمد وليد الشعراني استشاري جراحة العظام والمفاصل بمؤســــــســـــة حمــــــــــد الطبيـــــــــة

جُبل الإنسان على المنافسة وقهر الخصوم، كما أن الإنسان بطبعه يحب الانتصار وإثبات القوة.
في الماضي نشبت حروب كثيرة، وميادين القتال كانت حلبات مصارعة حقيقية، يبرز فيها القوي ليتمتع بالشهرة والعزة والاحترام، فها هو عنترة العبد المملوك وقد أصبح حديث المجالس ومضرب الأمثال فارس الفوارس وبطل الأبطال، فحق له أن يحادث ابنة عمه الحرة مادحاً نفسه.

أثنــــــــى عليّ بما علمت فإنني
سمحٌ مخالقتي إذا لم أظلمِ
وإذا ظلمت فإن ظلمي باسلٌ
مر مذاقتهُ كطعم العلقمِ
هلاّ سألتِ الخيل يا بنتَ مالك
إن كنت جاهلة بما لا تعلم
يخبرك ُمن شهد الوقيعة أنني
أغشى الوغى وأعِفُ عند المغنمِ

كثير من شباب هذا العصر لا يستطيعون إشباع رغبتهم في القتال والصيد، فيجدون متنفساً لهم في الملاعب، حتى أن مشاهدة هذه المنافسات أو سماع أخبارها قد يفي بالغرض وتخفيف الضغط. هذه الرغبة تصبح جامحة أحياناً، فتتحول الملاعب والمدرجات إلى ساحة معركة حقيقية فيها بعض الضحايا والمصابين.
بعضهم يعشق الملاكمة، وكثيرون يتلذذون بمشاهدة المصارعة والكاراتيه، مما يجعلهم يتخيلون أنهم البطل ينهال بالضرب على الخصم. في رحلة صيد واحدة يصرف المليونير الكثير وهو يصطاد الضواري دون هدف سوى متعة النيل من هذه الوحوش الشرسة القوية، وحتى تلك الحيوانات الضعيفة فهي غير آمنة من المطاردة والقتل.
وليعرف الجميع شدة بأسه وشجاعته يعرض رؤوسها على الحائط الذي يراه أكبر عدد من ضيوفه، وربما بعض الصور التذكارية ليعرف من لا يعرف، وأحاديثه في هذا المجال طويلة ومفصلة.
فمن لا يملك القدرة على التنافس يلجأ إلى أي وسيلة تقوية ليدخل عالم القتال والمغامرة، وهذا يفسر تهور الشباب في قيادة السيارات القوية، والمخاطرة بحياتهم بدون سبب واضح سوى الحنين لغرائزهم القتالية، التي قد لا تجد مكاناً لها في هذا العصر.
في الماضي كان الشاب يصطاد أسداً، ليثبت قوته للجميع، أما اليوم فليس له إلا أن يرفع زئير محرك سيارته ويطلق زعيق إطاراته. قد تتشابه الأصوات بين الماضي والحاضر، أما المبيت فقد يختلف، فشاب ما قبل التاريخ كان الكهف مركزه، أما متهور اليوم فكثيراً ما ينتهي به المطاف في العناية المركزة.
هذه الاحتياجات هي أحد أسباب تنظيم التنافسات الرياضية الكثيرة، على المستويات المحلية والعالمية، لتخفيف الغرائز العدوانية المتأصلة في الشباب، وإشباع التعصب القبلي والوطني، بمجابهات أكثر أمناً، وبدل أن يعمل الشاب ليكون قائداً للجيش فإنه يركز على رفع مستواه ليصبح قائداً للفريق. حتى في الحيوانات فإننا نجد حب القيادة، فبعد معارك دامية يسيطر الأقوى على القطيع، وهذا يوفر له ميزات كثيرة، منها المأكل الأفضل، وأهمها السيطرة على الإناث، وهذا ضروري لجعل النسل من الأقوى. أما حب السيطرة والقيادة في الادارات والمكاتب، والتفنن في وضع العراقيل من بعض الإداريين لاثبات المقام الرفيع والحنكة في القيادة، فهذا يتبع نفس منطق الروح القتالية، فلا يستغرب من وجد العقاب بسبب كفاءته، وذلك لأنه بدأ يشكل بشطارته خطراً على المسؤول المهتز، الذي يبدأ في الحفر من أول لفتة حلوة، يلاحظها في الموظف الجديد، ولأنه لا يملك قرنين ينطحه بهما، فالحل هو التحجيم في كل مناسبة.
في بعض الأحيان قد تصل هذه المشاعر عند بعض الشباب إلى درجة قصوى من العنف، وترتفع روحهم القتالية إلى فقدان السيطرة عليها، فيصلون إلى أبعد حد من الشر والعدوانية، وهنا يندفع أحدهم بسلاحه لقتل أكبر عدد ممكن سواء في الشارع أو حتى من أفراد أسرته، وهم أعز الناس إليه. كما أنه قد يصل التطرف في الروح القتالية لدرجة القيام بجرائم في الخفاء، وقد يستمر هذا المسلسل الإجرامي لسنين عديدة، إلى أن يتم القبض على هذا الذي أصبح يشكل خطراً بالغاً على الناس، وعند استجوابه قد لا تجد منه سبباً مقنعاً.
هناك نوع آخر من إظهار القوة وممارسة غرائز السيطرة، وهو التشدد على أفراد العائلة والتدخل في كل كبيرة وصغيرة، ثم الاعتداء عليهم بالضرب المبرح حتى لأتفه الأسباب، سواء الزوجة أو الأولاد وحتى طفل رضيع لم يكمل عامه الأول. إن تسهيل الانخراط في برامج رياضية، وذلك بإعداد المنشآت اللازمة، وتوفير الجو الملائم فيها، وتشجيع الناس على الرياضة، له أبعاد مفيدة قد لا يمكن عدها أو حصرها، ولا شك أن من أهمها توجيه ميول الشباب وطاقتهم إلى الميادين الصحيحة.