شمس العرب تسطع على الغرب
بقلـــــــــــــم زيغـــــــريد هونكـــــــه
»لم يكن من قبيل المصادفة أساساً أن أكتب أنا السيدة الألمانية هذا الكتاب، فالعرب والألمان لا تربطهم فقط أيام دولتهم القوية التي انقسمت الآن، والتي بدأ صعودها من جديد بقوة وحيوية وعزم، إنما هي رابطة قوية من الفكر والثقافة، وقد وثقت العرى بينهما، وامتدت جذورها في أعماق التاريخ، واستمرت على مر القرون، ومازالت آثارها حتى اليوم«.

مهما كانت أساليب الكتب العربية منطقية ومصقولة، ومتعطشة لعلم الجدل ككتاب القانون لابن سينا، فإنه من الخطأ الكبير ان تلصق بالعرب تهمة ضياع الطب العربي آنذاك في سراديب الجدل والمنطق المدرسي، فذلك لا ينبغي إطلاقاً أن يحبس التراث العربي في زنزانة الفلسفة المدرسية، والدليل على ذلك ما أخرجته المدارس الطبية العربية للعالم من طبقة من الأطباء الماهرين، بفضل تقربها من الواقع، وتحرر فكرها من قيود المعتقدات والسفسطة.
لقد برهنت كذلك على صحة هذا القول مدارس الطب في مونبلييه، والتي حاكت بشغف الجامعات العربية، وحافظت على الرغم من تغيير الجو السياسي على حبها للتجارب وعلى التراث العربي الأصيل، دون أن تنالها الأمراض المدرسية بأي أذى. المعجزة التي حققها العرب
نحن الآن في سنة ألف للميلاد، لقد نشر ابن النديم تاجر الكتب في بغداد بالأمس القريب فهرساً للعلوم، يضم في عشرة مجلدات، أسماء جميع الكتب التي صدرت باللغة العربية في الفلسفة والفلك والرياضيات والطبيعيات والكيمياء والطب حتى ذلك الحين، وفي الأندلس تجتذب قرطبة طلاب العلم من كل أنحاء الشرق، بل والغرب أيضاً، تجذبهم بمدارسها العليا ومكتبتها العظيمة التي جمع لها الخليفة الحكم الثاني، وهو من أشهر علماء عصره، نصف مليون من الكتب القيمة، جمعها له عشرات من رجاله، وعلق الخليفة بنفسه على هوامش عدد كبير منها قبل وفاته قبل نهاية القرن العاشر بأربعة وعشرين عاماً، وفي القاهرة رتب مئات الفنيين والعمال في مكتبتي الخليفة مليونين ومائتين من المجلدات، وهو ما يعادل عشرين ضعف ما حوته مكتبة الاسكندرية الوحيدة في عصرها.
إنه لمن المعلوم تماماً أنه ليس ثمة أحد في روما له من المعرفة ما يؤهله لأن يعمل بواباً لتلك المكتبة، وكيف لنا أن نعلم الناس ونحن في حاجة لمن يعلمنا، إن فاقد الشيء لا يعطيه، هذا ما قاله متحسراً من يعرف الحقيقة تمام المعرفة، أعني به جيربرت فون أورباك الذي ارتقى كرسي البابوية في روما في عام 999 من الميلاد باسم البابا سلفستروس الثاني. وفي هذا العام نفسه نشر أبوالقاسم مبادىء الجراحة التي ظلت شائعة لقرون عدة، وشرح البيروني (أرسطو طاليس العرب) للفكر العالمي دوران الأرض حول الشمس. واكتشف الحسن بن الهيثم قوانين الرؤية، وأجرى التجارب بالمرايا وبالعدسات المستديرة والأسطوانية المخروطية، وبينما كان العالم العربي يسرع في هذا العام نحو قمة عصره الذهبي، وقف الغرب مذهولاً، فقد تولاه الفزع، يترقب نهاية العالم عما قريب. ويعظ القيصر الشاب أوتو الثالث وهو ابن عشرين ربيعاً، يعظ الناس فيقول: »والآن سيأتي المسيح ويحضر الناس ليقتصي من هذا العالم« وبينما أوتو الثالث يتشدق بهذه الكلمات الجوفاء، كان ابن سينا وهو حينذاك أيضاً فتى في العشرين من عمره، قد بدأ يملأ الدنيا بأنباء انتصاراته العلمية الباهرة.
إن هذه القفزة السريعة المدهشة في سلم الحضارة التي قفزها أبناء الصحراء، التي بدأت من اللا شيء، ظاهرة جديرة بالاعتبار في تاريخ الفكر الإنساني، وإن انتصاراتهم العلمية المتلاحقة التي جعلت منهم سادة للشعوب المتحضرة في هذا العصر لفريدة في نوعها لدرجة تجعلها أعظم من أن تقارن بغيرها، وتدعونا هنا لنقف هنيهة متأملين كيف حدث هذا؟ وكيف أمكن لشعب لم يمثل من قبل دوراً حضارياً أو سياسياً يذكر أن يقف مع الإغريق في فترة وجيزة على قدم المساواة؟ إن ما حققه العرب لم تستطع أن تحققه شعوب كثيرة أخرى كانت تمتلك من مقومات الحضارة ما قد كان يؤهلها لهذا، لقد بقيت بيزنطة وريثة الحضارتين الشرقية والإغريقية على جهالتها مع أنها بلغتها اليونانية كانت أقرب الناس إلى الحضارة الإغريقية، والسوريون هم تلامذة الإغريق، كان لهم من الحضارة قبل الاسلام حظ وفير ولقد نقلوا عن طريق الترجمة الكثير من أعمال الإغريق إلى لغتهم، لكنهم أيضاً كبيزنطة فشلوا في أن يجعلوا ما اقتبسوه عن الإغريق بذرة لحضارة تزدهر، كما فعل العرب فيما بعد، ولم تكن فارس التي اقتبست من حضارات الصين والهند والإغريق أسعد حظاً من بيزنطة أو سوريا.
وبرغم تحسن الحالة الاقتصادية في تلك البلاد ورعاية الدولة للعلوم والعلماء فإنه لم يتح لحضارة تلك البلاد أن تصبح حضارة مبتكرة مؤثرة، إلا في جو عقلي آخر، وفي ثنايا حضارة ثانية أنجح وهي الحضارة العربية.