-
.. ولكن لم أرَ الأموات يطردهن حفّارُ
من الحفر العتاق وينزع الأكفان عنها أو يغطيها
يقول رفيقي السكران: " دعها تأكل الموتى
مدينتنا ل
تكبر، تحضن الأحياء"
وأوقدت المدينة نارها في ظلمة الموتِ
تقلّع أعين الأموات
ثم تدس في الحفر بذور شقائق النعمان
سلامٌ جال فيه الدمعُ والآهات والوجدُ
على المتبدّلات لحودهم والغاديات قبورهم طرقا
وطيبُ رقادهم أرَقا
يحنّ إلى النشور ويحسب العجلات في الدربِ
ويرقب موعدَ الربِّ (11)
وبعد سنة من صراعه مع المرض
أصبح بدر لا يستطيع تحمل المعاناة فكان
يتمنى الموت ويطلب من الله أن يمن عليه
بالموت ليرتاح من عذابه فكتب في26-8-61
قصيدة سماها أمام باب الله:
منطرحاً أمام بابك الكبيرْ
أصرخ في الظلام أستجيرْ
في ظلمة البحار والفيافي
وفي متاهة الشكوك والجنون
تعبت من صراعي الكبير
أعيش بالأمس وأدعو أمسي الغدا
كأنني ممثل من عالم الردى
تصطاده الأقدار من دجاه
منطرحاً أصيح أنهش الحجار:
أريد أن أموت يا إله! (11)
حالات مشابهة لحالة السياب:
فشعور بدر ورغبته في أن يعجل
الله في موته، كي يستريح من عناء
المرض، شعور منطقي، بل إن من في مثل
حالته قد يلجأ إلى الانتحار ليضع حداً
لمثل تلك المعاناة. ولمقارنة ما كان
يحس به بدر بإحساس مريض آخر، سأروي قصة
مريض أمريكي أصيب بنفس المرض، بعد موت
بدر بثلاثة عقود، وهو السيد نويل ديفد
إيرلي الذي أشهر هذا المرض في الولايات
المتحدة الأمريكية. فقد مات إيرلي بنفس
المرض وهو في الثامنة والأربعين من
العمر. ولقد وجدت شبها كبيراً ليس في
المعانات فحسب، ولكن في بعض الأحداث
التي وقعت لهما أيضاً. فبينما كان
إيرلي يقاتل في حرب فيتنام أصيب جندي
بانفجار مريع أمامه، تناثرت أشلاء
الجندي على وجه إيرلي. فتأثر بتلك
الحادثة كما تأثر بدر باحتراق البعثي
في السجن أمامه (راجع الحلقة السابقة).
لقد اشتهر إيرلي لأنه أعلن عن
رغبته في الانتحار بعد أن اكتشف مرضه
وكافح في أمريكا لإصدار قانون يسمح
للمريض الميئوس من شفائه بالانتحار
تحت إشراف طبي. فكان يعقد مؤتمرات
صحفية ويتحدث في برامج تلفزيونية سنة
1996م. لقد كُتبت قصته إيرلي مع المرض في
كتاب (وقت للموت A Time to
Die) والكتاب معروض بالصور على
الإنترنت : http://www.projo.com/special/noel/main.htm
ولهذا المرض أشكال مختلفة. فمنها
الذي يقتل بسرعة مثل الذي أصاب إيرلي
وقضى عليه خلال 22 شهراً. ومنها البطيء
مثل الذي أصاب الدكتور هوكنز عالم
الفزياء الشهير الذي لا زال يعيش
بالمرض منذ عدة عقود. ومنها المتوسط
السرعة الذي أصاب السياب، فسلبه
الحياة أو جعله ينساب منها، خلال أربعة
أعوام. فكان السياب يحس أنه يذبل كما
يذبل الشجر فيموت، وأن جسمه يذوب
ويتلاشى:
جسمه يذوب ويتلاشى:
أهكذا السنون تذهب
أهكذا الحياة تنضب
أحس أنني أذوب، اتعب
أموت كالشجر (11)
ولم يخبرنا السياب كيف ومتى
أحس ببداية المرض أما إيرلي فإنه لم
يكن يعلم بأنه مصاب بمرض حتى حاول مرة
أن يأخذ كتاباً من رف عالٍ في مكتبته
فلم يستطع أن يرفع كعب رجله اليمنى
والوقوف على أصابع رجله. فكان ذلك
بداية المرض، ثم أصبح كثير التعثر
والسقوط حتى اضطر لاستعمال العصا
أولاً ثم (مشّاية) وأخيراً كرسي متحرك.
فلما سأل الطبيب عن مرضه قال له اقرأ عن
(ALS) فعكف على الكتب
والإنترنت يقرأ عن مرضه المخيف. فعرف
من قراءاته أن أعصابه التي تتحكم بحركة
عضلاته ستموت واحداً بعد الآخر حتى
يصبح مشلولاً نهائياً. فسوف يصبح
عاجزاً عن الحركة وغير قادر على بلع
الطعام والتنفس وسيموت غارقا بسوائل
رئته.
لقد فكر المريض الأمريكي في
أمره وقرر أنه سيتقبل الموت ولكنه لن
يستطيع أن يتحمل المرحلة الأخيرة من
المرض. عندها أعلن في مؤتمر صحفي أن
الحل الوحيد لمتاعبه هو الانتحار. ونجح
إيرلي في نشر فكرة موت "الرحمة" في
المجتمع الأمريكي للميئوس من شفائه
ولكنه في نهاية الأمر لم يستطع أن يقدم
على الانتحار المتوقع.
سأتطرق في الحلقة القادمة
للمقارنة بين وصف إيرلي البليغ ووصف
السياب الشاعر لنفس الأعراض المرضية.
|