معاناة الداء والعذاب في أشعار السياب

د. حجـــــــــــر أحمــــــــــــــد حجــــــــــــر البنعـــــــــــــلي *

                  الحلقة السابعة 
مقدمة

الحلقة السابعة بدر شاكر السياب شاعر عراقي توفى سنة 1964م بعد أن أصيب بمرض خطير لا تعرف أسبابه ولا يعرف له علاج. إنه مرض يقتل خلايا الأعصاب فيصاب المريض بالشلل ويؤدي إلى الوفاة. فمعاناة السياب وصراعه مع المرض العضال ووصفه لما يحس من ألم ويأس، زادتني عطفاً وحزناً عليه ورغبة في الاطلاع على ما كان لديه. فقررت مواصلة البحث في أشعاره وتحليل قصائده. وحيث إني سأنشر هذه الدراسة في حلقات (بين الطب والأدب) لزملائي الأطباء بشكل خاص، فلابد أن أنهج في هذه الحلقات نهجاً مألوفاً لدي ولديهم وذلك بالتركيز على الأعراض والمشاكل الصحية والنفسية والاجتماعية للمريض الشاعر.

 

لقد وصفت في الحلقة السالفة حالة اليأس التي مني بها شاعرنا بدر شاكر السياب فعبر عنها في شعره بعد أن أدرك أنه مصاب بمرض لا علاج له وأن الموت يقترب منه أو أنه يقترب من مصيره المحتم. وبحثت في كل أشعاره التي كتبها سنة 1960 عن قصائد يصف فيها المرض، فلم أجد إلا قصائد الشعور بالإحباط واليأس وارتقاب الموت. ولقد حوله اليأس في تلك السنة إلى التدين ومناجاة الله والرسول [ وليلة القدر وهو الشيوعي السابق. لقد أراد أن يتقرب إلى الله ويكفر عن ماضيه لعل الله يشفي مرضه. فكتب في تلك السنة قصيدة عن ليلة القدر كما ذكرت سابقاً، وكأنه أحس أنه إذا توجه بالدعاء إلى الله في تلك الليلة المباركة فقد تتم المعجزة وقد يرسل الله ملاكاً من السماء بأجنحة بيضاء ترفرف عليه فتشفيه بعطف كعطف الأمومة أو الأبوة، فيمنُّ الله عليه بالشفاء من مرضه العضال، قال فيها:

ضإن مسنا جاحم الرمضاء ملتهبا
قاع السماء فأبصرنا مدى عجبــــا
بيضٍ على الكون أرخاهنّ أو ســحبا
وإن يكن للتقاة المحســـــنين أبــا
تكاد رنّاتها أن تذهل الشـــــــــهبا (10)

يا ليلة القدر يا ظلاً نلــــوذ بـــه
يا ليلة القدر يا نوراً أضــــــاء لنــا
تنزل الروح رفافاً بأجنـــــحـــــــةٍ
عطف الأمومة في عينيه متقد
وللمــــــلائك تســـــــــــبيح وزغــــــــــردة


وفي السنة التالية، سنة 1961م التي اتضح له فيها شيء من حقيقة مرضه وأنه لا أمل له في الشفاء إلا بمعجزة إلهية، كتب قصيدة يمدح فيها الرسول [ بمناسبة المولد النبوي، قالها يعتذر عن آثامه السابقة ويكفر عن خطاياه ويطلب من النبي الكريم الشفاعة له عسى الله يشفيه من مرض

فيا صخرة المعراج قد سدّ بالدجى بـــه
فما عاد بين الله والنــــاس منفــــــذ
نبي الهدى عذراً إذا الشــعر خانني
نبي الهدى كن لي لدى الله شافعاً
تمرست بالآثــــــــــام حتى تهدمـــــــت
ولكن من ينجــــــــــــده طــــه فقد نجـــــــــــا

وبالإثم منا فيك شق ومعـــــــــبر
كأن حل بالأرض العذاب المسـعر
ولكنّه قلبي بمـا فيه يقطـــــــر
فإني لكل الناس عان محيـــــــــر
ضلوعي وحتى جنتي ليس تثمر
ومن يهده والله هيهات يخسر (10)

وفي صيف 1961 وبعد مضي خمسة أشهر على خروجه من السجن، وهو في الخامسة والثلاثين من العمر صار الموت الفردي شاغله الوحيد كما ذكر ناجي علوش، "واستسلم نصفه السفلي لشلل، وضعفت قواه الجنسية وفقد السيطرة على البول والغائط" (19). وأضاف عيسى بلاطة: أنه "بعدما فقد القوة الجنسية رغب في الموت الفوري" (8). في تلك الفترة التي كان يعد فيها نفسه لقبول الموت كان يفكر في قبور البصرة ومصير قبره فيها، فأزعجه أن مدينة البصرة تزحف وتتوسع على حساب مقبرتها (أم البروم) التي أصبحت جزءاً من مدينة البصرة، فأيقن أن المدينة سوف تزحف على قبره لتمزقه وتنزع كفنه لتدوسه عجلات السيارات، فكتب محتجاً:

  • .. ولكن لم أرَ الأموات يطردهن حفّارُ
    من الحفر العتاق وينزع الأكفان عنها أو يغطيها
    يقول رفيقي السكران: " دعها تأكل الموتى
    مدينتنا ل
    تكبر، تحضن الأحياء"
    وأوقدت المدينة نارها في ظلمة الموتِ
    تقلّع أعين الأموات
    ثم تدس في الحفر بذور شقائق النعمان
    سلامٌ جال فيه الدمعُ والآهات والوجدُ
    على المتبدّلات لحودهم والغاديات قبورهم طرقا
    وطيبُ رقادهم أرَقا
    يحنّ إلى النشور ويحسب العجلات في الدربِ
    ويرقب موعدَ الربِّ (11)

وبعد سنة من صراعه مع المرض أصبح بدر لا يستطيع تحمل المعاناة فكان يتمنى الموت ويطلب من الله أن يمن عليه بالموت ليرتاح من عذابه فكتب في26-8-61 قصيدة سماها أمام باب الله:

منطرحاً أمام بابك الكبيرْ
أصرخ في الظلام أستجيرْ
في ظلمة البحار والفيافي
وفي متاهة الشكوك والجنون
تعبت من صراعي الكبير
أعيش بالأمس وأدعو أمسي الغدا
كأنني ممثل من عالم الردى
تصطاده الأقدار من دجاه
منطرحاً أصيح أنهش الحجار:
أريد أن أموت يا إله! (11)

حالات مشابهة لحالة السياب:

فشعور بدر ورغبته في أن يعجل الله في موته، كي يستريح من عناء المرض، شعور منطقي، بل إن من في مثل حالته قد يلجأ إلى الانتحار ليضع حداً لمثل تلك المعاناة. ولمقارنة ما كان يحس به بدر بإحساس مريض آخر، سأروي قصة مريض أمريكي أصيب بنفس المرض، بعد موت بدر بثلاثة عقود، وهو السيد نويل ديفد إيرلي الذي أشهر هذا المرض في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد مات إيرلي بنفس المرض وهو في الثامنة والأربعين من العمر. ولقد وجدت شبها كبيراً ليس في المعانات فحسب، ولكن في بعض الأحداث التي وقعت لهما أيضاً. فبينما كان إيرلي يقاتل في حرب فيتنام أصيب جندي بانفجار مريع أمامه، تناثرت أشلاء الجندي على وجه إيرلي. فتأثر بتلك الحادثة كما تأثر بدر باحتراق البعثي في السجن أمامه (راجع الحلقة السابقة).

لقد اشتهر إيرلي لأنه أعلن عن رغبته في الانتحار بعد أن اكتشف مرضه وكافح في أمريكا لإصدار قانون يسمح للمريض الميئوس من شفائه بالانتحار تحت إشراف طبي. فكان يعقد مؤتمرات صحفية ويتحدث في برامج تلفزيونية سنة 1996م. لقد كُتبت قصته إيرلي مع المرض في كتاب (وقت للموت A Time to Die) والكتاب معروض بالصور على الإنترنت : http://www.projo.com/special/noel/main.htm ولهذا المرض أشكال مختلفة. فمنها الذي يقتل بسرعة مثل الذي أصاب إيرلي وقضى عليه خلال 22 شهراً. ومنها البطيء مثل الذي أصاب الدكتور هوكنز عالم الفزياء الشهير الذي لا زال يعيش بالمرض منذ عدة عقود. ومنها المتوسط السرعة الذي أصاب السياب، فسلبه الحياة أو جعله ينساب منها، خلال أربعة أعوام. فكان السياب يحس أنه يذبل كما يذبل الشجر فيموت، وأن جسمه يذوب ويتلاشى:

جسمه يذوب ويتلاشى: أهكذا السنون تذهب
أهكذا الحياة تنضب
أحس أنني أذوب، اتعب
أموت كالشجر (11)

ولم يخبرنا السياب كيف ومتى أحس ببداية المرض أما إيرلي فإنه لم يكن يعلم بأنه مصاب بمرض حتى حاول مرة أن يأخذ كتاباً من رف عالٍ في مكتبته فلم يستطع أن يرفع كعب رجله اليمنى والوقوف على أصابع رجله. فكان ذلك بداية المرض، ثم أصبح كثير التعثر والسقوط حتى اضطر لاستعمال العصا أولاً ثم (مشّاية) وأخيراً كرسي متحرك. فلما سأل الطبيب عن مرضه قال له اقرأ عن (ALS) فعكف على الكتب والإنترنت يقرأ عن مرضه المخيف. فعرف من قراءاته أن أعصابه التي تتحكم بحركة عضلاته ستموت واحداً بعد الآخر حتى يصبح مشلولاً نهائياً. فسوف يصبح عاجزاً عن الحركة وغير قادر على بلع الطعام والتنفس وسيموت غارقا بسوائل رئته.

لقد فكر المريض الأمريكي في أمره وقرر أنه سيتقبل الموت ولكنه لن يستطيع أن يتحمل المرحلة الأخيرة من المرض. عندها أعلن في مؤتمر صحفي أن الحل الوحيد لمتاعبه هو الانتحار. ونجح إيرلي في نشر فكرة موت "الرحمة" في المجتمع الأمريكي للميئوس من شفائه ولكنه في نهاية الأمر لم يستطع أن يقدم على الانتحار المتوقع.

سأتطرق في الحلقة القادمة للمقارنة بين وصف إيرلي البليغ ووصف السياب الشاعر لنفس الأعراض المرضية.


1- بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره: إحسان عباس (1983). 2- إقبال: بدر شاكر السياب. 3- رسائل السياب: ماجد السمرائي. 4- قيثارة الريح: بدر شاكر السياب. 5- البواكير: بدر شاكر السياب. 6- أعاصير: بدر شاكر السياب. 7- منزل الأقنان: بدر شاكر السياب. 8- بدر شاكر السياب حياته وشعره: عيسى بلاطة (1987). 9- قيثارة الريح: بدر شاكر السياب. 10- الهدايا: بدر شاكر السياب. 11 - المعبد الغريق: بدر شاكر-12 السياب. 13- إيليا حاوي: بدر شاكر السياب ج1 ص19 13- أزهار وأساطير. 14- إقبال وشناشيل ابنة الجلبي. 15- Solomon: Handbook of Psychiatry 16- شعر بدر شاكر السياب: حسن توفيق. 17- K. Kiple: The Cambridge World history of Human Disease 18- arrionصs: Principles of Internal Medicine 14th Edition ديوان يدر شاكر السياب :ج2 ناجي علوش