جلست الأم في زاوية من الاستوديو بعيدة عن الأضواء تترقب لحظة ظهور ابنتها على الشاشة. كانت (دكتوره درّه) ضيفة غير عادية على برنامج (أطباء على الهواء) الذي تبثه القناة الفضائية القطرية فهذه الفتاة وبسبب خطأ طبي لم يقدر لها أن تكون كبقية الفتيات اللاتي وهبهن الله كامل الصحة والعافية ساعة الولادة، فقد جاءت (دره) إلى العالم بدون يدين أو ذراعين... فلم تتمتع في حياتها بمداعبة صدر أمها أو بالإمساك بلعبة أو بقطف زهرة كباقي الأطفال ولكن القصة ليست بهذه الصورة الحزينة التي أًوردها لكم.. فقد استطاعت (دره) أن تحول عجزها إلى قوة تمنحها لنفسها ولغيرها ممن يعيشون في مثل ظروفها.
تعلمت (د. دره) كيف تأكل وتكتب وتطبخ وترتب السرير وتستعمل الهاتف النقال والكمبيوتر وتضع المكياج وتسرح شعرها بل وتقود سيارة، كل ذلك بقدميها بدلاً من يديها.. وواصلت مشوارها حتى أصبحت أستاذة للحقوق في جامعة الحقوق بصفاقس، بتونس وأعطت بذلك درساً لنا جميعاً في الصبر والإيمان والثقة بالنفس.
وأعود إلى الأم القابعة في إحدى زوايا الاستوديو واختلس نظرة إليها عندما كنا مباشرة على الهواء - حيث أشارت ضيفتي الدكتورة (سميرة الحساني) إلى ولادة عدد كبير من المواليد في سنوات ماضية نتيجة حتمية لدواء استعملته الأمهات لمنع غثيان الحمل - وكانت (دره) إحدى ضحاياه فقد ولد عدد من الأجنة من دون أذرع في مختلف أنحاء العالم لأمهات استعملن نفس الدواء وخاصة في (ألمانيا) التي أُنتج فيها الدواء.
وأعود إلى الأم فأرى دمعة حزن تسيل على خدها الوردي ودمعة أخرى تلاحقها بإصرار وآلاف الأفكار تطاردها..
ماذا لو لم آخذ هذا الدواء؟ ماذا لو تحملت تبعات الحمل دون أدوية؟ كيف وصل هذا الدواء اللعين إلى الصيدليات؟ كيف سمحت به وزارات الصحة في دول العالم؟ كم من المواليد في تلك الفترة ولدوا بدون ذراعين مثل (دره)؟
أسئلة كثيرة تتزاحم في رأسها وصوت تأنيب الضمير لذنب لم ترتكبه بل هؤلاء الذين يدّعون أنهم أطباء وعلماء ويتدخلون في طبيعة البشر والأشياء يبيعون لنا علاجات وأدوية لا تظهر آثارها الجانبية إلا بعد سنوات بعد أن يجعلوا من الإنسان حقل تجارب لهم.
أما (ألمانيا) مصدر الدواء فقد رأت أن تكفّر عن سيئاتها باختراع سيارات خاصة لمن هم في مثل حالة (دره)، سيارات تقودها الأرجل ويظل يلحُ عليّ سؤال - كم من الأدوية التي تسمح الجهات المسؤولة بنزولها إلى الأسواق ولا تظهر آثارها الجانبية إلا لاحقاً؟ وكم من النساء حباهن الله - أيدي جميلة وأنامل رشيقة لا يستخدمنها إلا للعرض فقط.. عرض الحلي والمجوهرات وآخر موديلات المناكير والبادكير حتى أن الواحدة منهن تخشى استخدام يديها حتى في الطبخ فتركن إلى الخادمة أو إلى (المولينكس) فيجلس الزوج إلى مائدة الطعام فرحاً بطبق شهي قائلاً (سلمت يداك يا مولينكس) أما أنا فأقول - سلمت رجلاك يا درّه.