من أوراق
عيــادتي

د. موسى محمد الجويسر
استشــاري
طب عـــائـلة - دولـــــة الكويت
يندر أن ترى مريضاً يشتكي فقط
من جسمه، بدون أن يكون هناك
جانب نفسي أو اجتماعي، والذي
قد لايقل أهمية عن المرض العضوي
نفسه. وهنا يأتي دور طبيب العائلة
في أخذ الحيطة، والالتفات لكل
هذه الجوانب في عملية التطبيب
اليومية،التي يقدمها للمريض.
فالكثير من الأبحاث العلمية،
تؤكد على أهمية هذا الأمر،
بل إن الاتجاه الحديث هو في
تدريس طلبة الطب، فن التعامل
مع المرضى، فالمريض يحتاج إلى
الاهتمام به شخصياً كانسان
قبل كل شيء، وجعله جزءً أساسياً
لحصول أي طبيب على شهادة التخصص
في كافة المجالات الطبية. أترككم
مع إحدى المريضات التي أتت
إلى عيادتي، في مركز طب العائلة.فالبرغم
من أن شكواها كانت من صداع
مزمن ودوخة وتعب سببه غير واضح
لها. إلا أنه كان واضحاً للغاية
للطبيب، الذي يأخذ في اعتباره
التعريف الجديد للصحة، وكيف
تتداخل العوامل النفسية والاجتماعية
في صحة الجسد والعضوية.
دموع حزينة على خد عروس
عروس في زهرة شبابها، حديثة
عهد بالزواج دخلت العيادة في
يوم من الأيام، كأنها تحمل
هموم الدنيا كلها على رأسها،
ودمعتها على خدها. فهي من عائلة
كبيرة الحجم، وتعيش مع أمها
وزوجات أبيها الأخريات، وكما
هي العادة في مثل هذه المجتمعات
الصغيرة، ضغطت عليها أمها لكي
تتزوج ولكنها لم تكن مقتنعة،
ولكن لالحاح أمها قبلت ولم
تمض إلا شهور قليلة، حتي طلقت
بعد مشاكل ونزاعات. حاولت أن
تحسن من وضعها فرجعت إلى مقاعد
الدراسة، ولكن الذكريات الحزينة
طاردتها، وأتعست حياتها حتي
أصبحت تهدد مستقبلها الدراسي
لتكرار الغياب. لم أتمكن من
نفسي إلا وأن اتعاطف معها محاولاً
بذلك أن أرفع من روحها المعنوية.
فالجانب العاطفي في العلاج
يعتبر مهماً جداً في مثل هذه
الحالات، فالمشكلة كلها عاطفية
والعلاج يحتاج إلى كم هائل
من العواطف، لدعم وتثبيت نفسية
المريض ومن ثم الدخول مع المريضة
إلى أساس المشكلة، وكان أساس
العلاج هو النظرة الإيجابية
للحياة، ومحاولة دفع المريضة
للتفكير الايجابي، والابتعاد
عن التفكير السلبي. وأولى خطوات
هذا العلاج هي محاولة تفريغ
الشحنة العاطفية التي تراكمت
في نفسيتها، نتيجة لمشاكلها
السابقة والاحباطات التي عاشتها،
ولهذه الطريقة وسائل متعددة
في علم الاستشارة مع المريض،
يعرفها المتخصصون في هذا المجال.
وكانت النتيجة في نهاية الجلسة،
دموع كثيرة ولكنها انتهت بابتسامة
قد لاتكون كبيرة، ولكنها تشكل
نقطة تحول كبيرة في العلاج
ونجاح لحوالي 15 دقيقة من العلاج
النفسي. وكنا على موعد آخر
لاستكمال العلاج، وأتت المريضة
في اليوم الثاني ولكنها هذه
المرة تحمل ابتسامة عريضة منذ
البداية وهي تقول : "لقد نمت
جيداً بعد علاجك". واستمرت
الجلسة الثانية في استكمال
مابدأته في الجلسة الأولى،
مع زيادة الجرعة الإيجابية
ومناقشة كيفية تطبيق هذه النظرة
في الحياة، وكان الهدف هو أن
نحقق دور للمريضة في حياتها
الأسرية بدل انعزالها عن الناس،
فكنت أطلب منها مساعدة أهلها
في البيت، والاهتمام بأخواتها
ونفسها ودراستها.. الخ. ولقد
لاقت هذه الفكرة استحسانها
بل وتشجعت في الحديث معي، وذكرت
بعض التفاصيل عن محادتثها مع
أهلها، وكلها تصب ضمن النظرة
الإيجابية للحياة، وكان آخر
مارأيته منها هو ابتسامة الرضا
مع ضحكة، رغم الأحزان والدموع
التي كانت على وجهها، ولسان
حالها يقول أضحك في وجه المصاعب
ولن أنهزم.
إن دور طبيب العائلة في رعاية
المشاكل الاجتماعية، لاينتهي
عند وصف الدواء أو الكلام،
بل يجب المتابعة حتى يتغلب
المريض على مشاكله، أو على
الأقل أن معرفة كيفية التعامل
معها.
كلمة أخيرة للمتزوجين: لاتلجأوا
للطلاق بسبب خلافات يمكن حلها
عن طريق التفاهم، ولا أقول
تنازل الطرفين، فمصيبة الطلاق
سيف مسلط على رأس كل بنت، وكم
من هذه المشاكل كان يمكن أن
لا تكون لو أحسنا التصرف معها.
كفاكم الله شر هذه المشاكل
وإلى ورقة أخرى من أوراق عيادتي.