هوس النحافة في عصر العولمة

د. أحمد مكي
استشاري جراحة التجميل
مؤســـســـة حـمــد الطبيــــة
مجتمعاتنا الشرقية كانت وإلى عهد قريب تنظر إلى السمنة على أنها أحدى علامات الجمال، وعلى أنها سمة من سمات الثراء، غير أنه ومنذ عدة عقود بدأت الاتهامات الطبية توجه صوب البدانة، وسيطرت أحلام النحافة على العقول. ولكن لم تكن المخاطر الصحية للسمنة هى السبب الرئيسي لهذا الولع بالنحافة وإنما كان الجري وراء الموضة ومحاولة تقليد عارضات الأزياء وأهل الفن. حيث أصبحت النحافة دليلا على الرشاقة والجمال وأصبح الكثير من الناس منشغلين إلى حد الهوس بمظهرهم.
لقد بدأت موضة النحافة منذ فترة الخمسينيات عندما تألقت الممثلة أودري هيبورن بأدوارها على الشاشة ورسخت صورة المرأة النحيفة الضعيفة التي تمنح الرجل الاحساس بالقوة والرغبة في حمايتها. ثم حلت فترة الستينيات لتضيف عارضات الازياء بعداً جديداً إلى مفهوم الاناقة التي ارتبطت بقوام المرأة النحيفة. هكذا تحركت مقاييس الجمال تجاه نحافة أكثر، وارتبطت هذه النحافة بتحول هام في وضع المرأة في المجتمع من كونها أما تكتسب أهميتها ومكانتها من أمومتها ومن كونها زوجة تكتسب حب زوجها بصلاحها إلى كونها موضوعاً مثيراً باحثاً عن الإعجاب أكثر من بحثه عن سعادة الأبناء الصغار وسعادة الزوج المغيار!! وارتبط تحرر المرأة من "قيود" الأسرة بتحكمها في جسدها، وارتبط هذا كله بالنحافة التي صارت عنواناً للتحرر، ولكن هل حقاً المرأة النحيفة أجمل؟ بعض الرجال يرى أن الوجه النحيف لايمكن أن يبدو جميلاً حتى ولو كانت تقاطيعه متسقة، كما أن القوام النحيف ذا الزوايا الحادة لايمكن أن يبدو جميلاً مهما بذلت صاحبته من جهود لإخفاء عيوبه. إن أغلب الرجال يفضلون القوام المعتدل المتوازن بين النحافة والبدانة.
وهكذا بلغت اختلالات التغذية تدعو للانزعاج، فالفتيات، والصبية، والمسنون أيضاً سقطوا جميعاً ضحايا الخوف من البدانة،وأصبح الكل منشغلا إلى حد الهوس بمظهره. هذا الانشغال بصورة الجسم ليس مشكلة غريبة فحسب، فالعولمة وسعت الاهتمام بالشكل إلى العالم أجمع، بل أن التحديث في المجتمع يمكن أن يقاس بمستوى اختلالات الطعام الجديدة التي يشهدها. وانتشرت مع هذا السباق أمراض مصاحبة لأنماط غذائية غير متوازنة مثل (البوليميا) وهو المرض الذي كانت الأميرة (ديانا) مصابة به، وفيه يصاب الإنسان بالشره، فيأكل كميات كبيرة من الطعام ثم يتقيأ كل ما أكله، بسبب خوف دفين من السمنة!!.
وبحثاً عن هذا الجمال، توالت
آلاف الوسائل لتحقيق هذا الهدف،
لقد أصبح جسد العارضة أو ملكة
الجمال هو عنوان الجمال، واستقر
معه أن هذا الجسد هو الطريق
إلى النجاح، وتنوعت السبل للحصول
على هذا الجسد الرشيق، بدءا
من أنظمة الغذاء إلى الرياضة،
إلى الجراحة. فالرياضة أصبحت
وسيلة لاكتساب الجسد الرشيق
، وانتشرت انظمة التمارين،
وكتب التدريبات والرقصات Acrobics
التي تساعد على التخسيس. نحن
ندعو إلى الرياضة من أجل الصحة،
فإن لبدنك عليك حقاً، والعقل
السليم في الجسم السليم، لكن
الذي نرفضه هو أن يكون السعي
نحو نموذج معين للجسد. الشركات
التجارية أيضاً دخلت في هذا
السياق بكل ما أوتيت من قوة
بحثاً عن الربح، ما بين طرح
أطعمة لاتزيد وزن من يطعمها
إلى طرح أنواع مختلفة من العقاقير
تساعد في إنقاص وزن من يتناولها.
إن هذا الوضع يدعو للقلق ولابد
أن نبدي الكثير من التحفظات
حيال قضية تسويق النحافة وإزاء
المخاطر الصحية والاجتماعية
لهذا الهوس، المخاطر الصحية
لاتخفى على أحد، فالاشخاص النحيفون
جداً معرضون للاصابة بالأمراض
أكثر من الذين يتمتعون بوزن
معتدل، فقد ثبت أن جهاز المناعة
لدى الاشخاص النحيفين جداً
أضعف منه لدى سواهم، وهذا يزيد
من خطر إصابتهم بالأمراض ،
إضافة لضعف القدرات الفكرية
وسرعة التعب.
أدوية النحافة لها أضرار كثيرة
وخطورتها تزداد إذا كان تناولها
يتم دون أستشارة وبدون إشراف
طبي مستمر. هذه العقاقير قد
تؤدي إلى أضرار بالغة خاصة
بوظائف الكبد والكلى وقد تؤدي
إلى الفشل الكلوي وربما إلى
ما هو أخطر من ذلك.
الصورة القاتمة للنحافة تتجلى
واضحة في أطفال إفريقيا، فهناك
هياكل عظمية لاتعرض أحدث الأزياء،
بل تعرض الجوع والمرض، وتعرض
التقصير والتجاهل من جانب الدول
الغنية.
سؤال يطرح هنا حول
عمليات شفط الدهون، هل هي وسيلة
للحصول على النحافة وهل هي
لاصحاب السمنة المفرطة؟.
الحقيقة
هي أن عمليات شفط الدهون تهدف
لإصلاح القوام والتخلص من الشحوم
التي فشلت الوسائل التقليدية
في التخلص منها، وهي بالتالي
غير مسؤولة عن مشكلة النحافة
التي نحن بصددها، خطورة عمليات
الشفط تكمن في اجرائها بواسطة
أطباء غير مؤهلين للقيام بها،
من أطباء اصحاب تخصصات أخرى
غير جراحة التجميل، الأمر الذي
أصبح شائعاً اليوم بحثاً عن
تحقيق الربح.
الخطورة تكمن
أيضاً في إجرائهاللشخص غير
المناسب الخطورة تكمن أيضاً
في إجرائها في المكان غير المناسب
والذي لاتتوافر فيه إجراءات
السلامة كما يحدث في بعض العيادات.
أيضاً هناك خطورة في حالة شفط
كميات كبيرة في نفس الوقت.
إذن ماهو الحل؟ يرى البعض أنه
يمكن للفكرة التي تعتبر أن
الجمال الأمثل للمرأة هو أن
تكون نحيفة القوام أن تتغير،
إذا قدم مصممو الأزياء صوراً
لنساء من جميع الاشكال بدلاً
من صور عارضات الأزياء اللاتي
يشبهن الهياكل العظمية وصور
الممثلات النحيفات. إن الحل
الذي نحتاجه كي نتحرر من وباء
النحافة هو حملة يشارك فيها
جميع الاطباء ،بالاضافة إلى
وسائل الاعلام، والهيئات المعنية.
حملة تهدف إلى مساعدة النساء
على تقبل الاشكال المختلفة
لأجسادهن بدلاً من تقييمهن
على أساس شكل أجسادهن، حملة
تهدف إلى إنماء جسم صحي لاهو
نحيف ولاهو بدين.
فهل هل ستتغير مفاهيم جمال
المرأة إذا توقف الرجل عن التقليب
في صفحات المجلات، ومحطات الدش
الفضائية، ومواقع الانترنت.