معاناة الداء والعذاب في أشعار السياب

د. حجـــــــــــر أحمــــــــــــــد حجــــــــــــر البنعـــــــــــــلي *

                 الحلقة الثانية عشرة  
مقدمة

بدر شاكر السياب شاعر عراقي توفى سنة 1964م بعد أن أصيب بمرض خطير لا تعرف أسبابه ولا يعرف له علاج. إنه مرض يقتل خلايا الأعصاب فيصاب المريض بالشلل ويؤدي إلى الوفاة. فمعاناة السياب وصراعه مع المرض العضال ووصفه لما يحس من ألم ويأس، زادتني عطفاً وحزناً عليه ورغبة في الاطلاع على ما كان لديه. فقررت مواصلة البحث في أشعاره وتحليل قصائده. وحيث إني سأنشر هذه الدراسة في حلقات (بين الطب والأدب) لزملائي الأطباء بشكل خاص، فلابد أن أنهج في هذه الحلقات نهجاً مألوفاً لدي ولديهم وذلك بالتركيز على الأعراض والمشاكل الصحية والنفسية والاجتماعية للمريض الشاعر.

العـودة إلى العـراق
 موت السياب في الكويت
  الشهر الثاني في الكويت
  الشهر الثالث في الكويت
 الشهر الخامس والأخير في الكويت

العـودة إلى العـراق

لقد ذكرت في الفصل السابق أن بدراً بعد أن صارحه الطبيب البريطاني بأنه لا يوجد لمرضه علاج، ذهب إلى فرنسا في 15/3/1963 لعله يجد فيها العلاج الناجع الذي يبحث عنه. ولم يكن حظه في باريس أحسن من حظه في لندن، اللهم إلا أن امرأة كان يعرفها منذ كان في بيروت سنة 1960، تريد أن تترجم أشعاره إلى الفرنسية، عطفت عليه وأخذت ترسل له الزهور إلى الفندق كل يوم، فتوهم أنها وقعت في غرامه. وكانت تلك الصديقة، التي تعلق بها، هي الكاتبة والصحفية البلجيكية الآنسة (لوك نوران)، فكتب لها في 18-3-63 (ليلة في باريس) ومما قال فيها:

وذهبتِ فانسحب الضياءْ
أحسستُ بالليل الشتائيِّ الحزين، وبالبكاءْ...
أحسست وخز الليل في باريسَ، واختنق الهواءْ

وقرأ القصيدة على "الصديقة" البلجيكية بعد أن ترجمها لها إلى الإنجليزية، فعانقته وبكت، مما جعله يجزم أنها تحبه، ولكنها لما لاحظت تعلقه بها، أخبرته بأن رجلاً آخر في حياتها. وهكذا يعود التاريخ إلى بدر كما كان سابقاً: يحب امرأة لا تبادله الحب بل تحب غيره. وليس هذا غريباً فكم وقع ذلك لغيره من الرجال ومنهم بعض الشعراء المشهورين في أدبنا العربي، مثل ذي الرمة الذي قضى حياته يتغزل بمية، محبوبته التي كانت معجبة بأشعاره، ولكن لا تبادله الحب. وقد لا يكون الأمر محض صدفة أن يسمي بدر ابنه "غيلان" وهو اسم ذي الرمة. وإن أنسى لا أنسَ بيتاً للأعشى في لاميته الشهيرة حيث قال:

عُلّقتها عرَضاً وعُلّقتْ رجلاًُ                               (غيري، وعُلِّقَ أُخرى غيرها الرجل(22)

وكان بدر قد توقع أن حبّاً مع الصديقة الجديدة قد يعوضه الحبَّ القديم الذي فقده بموت (وفيقة) وستكون له البلجيكية (وفيقة) جديدة يجدد معها أمله في الحياة:

... لو صحَّ وعدُكِ يا صديقة  
لو صحَّ وعدُك، آه لانبعثت (وفيقة)  
من قبرها، ولعاد عمري في السنين إلى الوراء (14)

وفي اليوم التالي وهو على أُهبة السفر من باريس إلى العراق، بعد أن أُخبر في فرنسا أنه لا علاج له، كتب (أحبيني) وانطلق يُفصح عما يجيش في خاطره، مستعرضاً النساء اللواتي أحبهن ولم يبادلنه الحب، كما ذكرنا في بداية هذه الحلقات:

وما من عادتي نكرانُ ماضيَّ الذي كانا
ولكن.. كلُّ من أحببت قبلك ما أحبوني
ولا عطفوا عليَّ؛ عشقتُ سبعاً كنَّ أحيانا
ترف شعورهنَّ عليَّ، تحملني إلى الصينِ..

ولكن من يخاطب الشاعر في هذه القصيدة التي كتبها في 19/3/63 في باريس؟ هل يخاطب زوجته، التي يوشك أن يلتقي بها، أم أنه يخاطب الصديقة البلجيكية التي يودعها؟ الواضح أنه يخاطب البلجيكية، لأنه أحس أنه راجع إلى الدار ليموت بعد أن أجمع الأطباء على أن حالته مستعصية ولا علاج له. لم يستطع أحد أن يعينه على دائه أو ينقذه. أمته العربية أمة فاشلة لأنها لم تنقذه. سلط غضبه على الأمة وتراثها الديني وحتى زوجته التي حملها ظلماً مسؤولية مأساته المرضية. ماذا دفع بدراً إلى تلك الثورة وهو الذي عودنا حبه لوطنه وزوجته كما سأثبت أدناه؟ لا شك عندي أنه اليأس الشديد والإحباط، جعلاه يثور على كل شيء إلا على الصديقة البلجيكية، التي قامت بدور الطبيب النفسي، تواسيه وتغدق عليه الزهور ليطريها في شعره. فأحبها حُبّاً وهميّاً يهرب إليه من واقع صعب لا مسرة فيه. فتمنى وتوسل أن تحبه حُبّاً حميماً، متناسياً الحقيقة المرة وهي أنه ليس في وضع صحي لخلق علاقات غرامية مع النساء. فهو فاقد القدرة الجنسية والجسدية. ولكنه أراد أن يتوهم وهو الشاعر القادر على التحليق في سماء الحلم والوهم والخيال. وأتوقع أنه كان يبكي وهو يكتب هذه القصيدة لأني أشعر من إعادة قراءتها أن ثورتها ثورة بكاء وحزن، تستحق منا الشفقة عليه، وعذرَه لا عذلَه:

كفرت بأمَّة الصحراء
ووحي الأنبياء على ثراها في مغاور مكةٍ أو عند واديها
وآخرهنّ؟ آهٍِ.. زوجتي، قدري، أكان الداء
ليقعدني كأني ميّتٌ سكران لولاها؟
وهأنا.. كلُّ من أحببتُ قبلك ما أحبّوني
وأنتِ؟ لعلّهُ الإشفاق!!.. لستُ لأعذرَ اللهَ
إذا ما كان عطفٌ منه، لا حب الذي خلاه يسقيني
كؤوساً من نعيمٍ آهِ، هاتي الحبَّ روِّيني
به، نامي على صدري، أنيميني
على نهديك، أوّاها
من الحُرَق التي رضعت فؤادي ثمةَ افترستْ شراييني
أحبيني
لأني كلُّ من أحببتُ قبلك لم يحبوني (14)

فتلك الطفرة الغاضبة، طفرة عابرة. فكم ردد بدر شعور الحب الشديد والتعلق بالوطن في قصائد عديدة تجعلنا نغض الطرف عما يشطح به في نزوة غضب مؤقت. أما قال في (وصية من محتضر):

هموماً أريد من الحياة فدى صحاراك الرحيبة
أرباضُ لندن والدروب.. (7)

وفي (سفر أيوب) الخامسة قال:

آهِ، لولاك يا داءُ ما عِفتُ داري
ما تركتُ الزهورَ التي فَتّحتْ في جداري (7)

وقال في (الليلة الأخيرة):


إن يكتب اللهُ لي العودَ إلى العراق
فسوف ألثم الثرى، أعانق الشجر.. (7)

أما عن حبه لزوجته إقبال، فإنه وإن كان زواجاً تمَّ بناءً على قرار عائلي تقليدي، إلا أن حبه لها نما مع الزمن واشتد بعد المرض. فقد قال في قصيدة (ليلة وداع) التي قال في إهدائها "إلى زوجتي الوفية":

أوصدي الباب، فدنيا لستِ فيها
ليس تستأهل من عينيَ نظرةْ.. (14)

وقال في (إقبال والليل):

لولاكِ ما رمتُ الحياة ولا حننتُ إلى الديارْ
حببتِ لي سدف الحياة، مسحتها بسنا النهار (14)

إذن تلك الثورة الغريبة على الزوجة المحبة هو انعكاس ليأس من مرض لا علاج له، وشعور بالضجر مما حوله. ولقد توقع بدر قبل تلك القصيدة بثلاثة أسابيع أن الضجر لن يسمح له بأن يعود لزوجته مبتسماً في قصيدة (يا غربة الروح)، التي كتبها في لندن في 26/2/1963:

لولا الخيالات من ماضيَّ تنسربُ
كأنها النومُ مغسولاً به التّعَبُ
لم يتركِ الضجرُ
مني ابتساماً لزوجٍ سوف ألقاها.. (14)

هكذا كان تحليلي الشخصي لسبب غضبه من زوجته، ولكني وجدت سبباً آخر سُجل كملاحظة في الديوان تحت قصيدة (القن والمجرة) التي كتبها قبل سفره من لندن بأسبوعين، في 2/3/63، صب نار غضبه فيها على زوجته. الملاحظة تقول: "كتب الشاعر هذه القصيدة في سورة غضب، إذ إن زوجته أصرت عليه بالرجوع إلى العراق وقد ساءت صحته بعد ذلك، فتشاءم واعتبر زوجته مسؤولة عن تدهور صحته" وقد قال فيها:

ولو لا زوجتي ومزاجها الفوار لم تنهدّ أعصابي
ولم ترتدَّ مثل الخيط رجلي دونما قوة
ولم يرتجَّ ظهري فهو يسحبني إلى هُوّةْ.. (14)

ولكن استمرار تدهور صحة بدر مع الزمن من طبيعة مرضه، ولا ذنب لزوجته في الأمر. وقد ندم بدر على ما قاله عن زوجته في حالة الغضب تلك، وطلب عدم نشر قصيدة (القن والمجرة) في الديوان ولكنها نشرت بعد وفاته. ولقد غضب من زوجته في بيروت سابقاً، لما ألقت من النافذة بخصلات من شعر اكتشفتها في درجه لممرضة كان بدر يحبها تسمى ليلى. ولما عاد إلى البصرة من أوربا دفعه اليأس إلى أن يجرب أي علاج يسمعه من الناس. لذلك "قبل بدر أن يعالجه بدوي من الزبير، فكوى ساقيه وظهره بالنار... ولم يكن لهذا العلاج فائدة. وقبل بدر في يأسه كذلك أن يعالجه سادات البصرة.. الذين يدّعون العلم بالعلاج الروحاني" (8). ولم يكتب شعراً لمدة عشرين يوماً بعد عودته إلى البصرة، ثم كتب قصيدة (ليلة في العراق) ومما قال فيها:

وعدت إلى بلادي يا لنقّالات إسعاف
حملن جنازتي، متمدداً فيه أئن رأيت (غيلانا)
يحدّق بانتظاري في السماء وغيمها السَّافي (14)

وبعد عشرة أيام أخرى كتب قصيدة أفضلَ إيقاعاً وموسيقى، يتخيل فيها أنّ نسيم مسقط رأسه جيكور في الليل يحمل له همسات وأشواق أمه في قبرها، ثم يناجي أمه ويبثها حبه للموتى لأنها واحدة منهم. ويتضرع إليها أن تلمسَ ساقه وتشفي شلله. ولكن لماذا يعود بدر لمناجاة أمه عندما يرعبه الموت؟ أعتقد شخصياً أن شاعراً اجتماعياً مثل بدر، الذي ألف الناس حوله، يسليهم بأشعاره ويؤنسونه بإطرائهم لشعره، لا يستطيع أن يتخيل أنه سيدفن في قبر وحيداً معزولاً عن الناس. فتخيل أن أمه في انتظاره كما كانت تفعل جدته عندما كان صغيراً يعود من المدرسة. هذا التخيل والشعور غير الواقعي، يحاول أن يقنع نفسه به، ليخفف من خوفه من وحشة القبر. يقنع نفسه بأن أمه ستكون في انتظاره لتكون معه. لذلك لجأ لمناجاتها كلما أحس بقرب موته، بل يتصرف أحياناً كطفلٍ صغير يظن أن أمه قادرة على المعجزات، فهي التي روت عطشه وشفت جوعه صغيراً، قد تشفيه الآن من مرضه الذي عجز الأطباء عنه. لذلك يطلب منها في هذه القصيدة أن تشفي شلله. وقد سمى القصيدة (نسيم من القبر):


نسيم الليل كالآهات من جيكورَ يأتيني
فيبكيني
بما نفثَتْهُ أمي فيه من وجدٍ وأشواقِ
تنفس قبرُها المهجور عنها، قبرُها الباقي
على الأيام يهمس بي: " تراب في شراييني
ودودٌ حيث كان دمي، وأعراقي
هباءٌ من خيوط العنكبوت؛ وأدمع الموتى
إذا ادكروا خطايا في ظلام الموت.. ترويني
مضى أبَدٌ وما لمحتْك عيني! ليت لي صوتا
كنفخ الصُّورِ يسمع وقعَه الموتى، هو المرضُ
تفكك منه جسمي وانحنتْ ساقي
فما أمشي، ولم أهجرك إني أعشق الموتا
لأنك منه بعض، أنت ماضيَّ الذي يمِضُ
إذا ما اربدَّتِ الآفاق في يومي فيهديني!
أما رنَّ الصدى في قبركِ المنهار، من دهليز مستشفى
صدايَ، أصيحُ من غيبوبة التخدير، أنتفضُ
على وَمْض المشارط حين سفتْ من دمي سفّا
ومن لحمي؟ أما رنّ الصدى في قبرك المنهارْ؟
وكم ناديتُ في أيام سهدي أو لياليه:
"أيا أمي، تعالي فالمسي ساقيَّ واشفيني" (14)

واستمرت صحة بدر في التدهور وقد وقع على الأرض مراراً وهو يحاول المشي بعكازته، حتى إن أباه قد مات في عيد الأضحى 1963 في أوائل مايو ولم يتمكن بدر من أن يحضر جنازته. وقال في قصيدة (لوي مكنيس):

أبي مات لم أبكِ حزناً عليه
وإن جنَّ قلبي
من الهمِّ وانهدَّ شوقاً إليه..(14)

وقد قل إنتاجه الشعري في تلك الفترة وقال: "إني سئمت من الضرب على وتر أنا مريض فيما أكتبه من شعر"(8). ولكنه لم يبق له إلا الشعر يلوذ به ويشكو معاناته. لذلك عندما مات كسيح آخر يعرفه (حميد)، رثاه بقصيدة ليست رثاءً لميت فحسب، ولكنها رثاء النفس، رثاء من ينتظر نفس المصير. فيتخيل الميت وقد طويت رجلاه في القبر، ثم أنه يزحف على صدره لله، ثم يزل لسان الشاعر وكأنه يهذي من المرض فيجعل الله يبكي ويعتذر من الميت!..

حميد أخي في البلاء الكبير - فقد كان مثلي كسيحا
يدب بكرسيّه مستريحا
تساءلت عنه فقالوا : "يسير
على قدميه فقد عاد روحا
لقد مات" يا ويلنا للمصير!!
ينام ورجلاه مطويتان
شهوداً على الداء في قبره
إذا ما رأى الله رأي العيان
وقد سار زحفاً على صدره
فأي انسحاقٍ وأي انكسار
يشعان من عينه الضارعةْ !!
سيبكي له الله من رحمة واعتذار (14)

ومع التدهور المستمر في صحته يكتب إلى أحد أصدقائه: "لا أكتب هذه الأيام إلا شعراً ذاتياً خالصاً..لعلني أعيش هذه الأيام آخر أيام حياتي... موقفي من الموت قد تغير. لم أعد أخاف منه. ليأتِ متى شاء. أشعر بأني عشت طويلاً"(8). وبدخول سنة 1964 دخل بدر مرحلة حرجة مع المرض، وعاد غير قادر على الوقوف، وأصبح طريح الفراش، وتكرر ظهور القروح على جلده بسبب المكوث في السرير. وفقدَ التحكم بالبول والبراز. ومع كل ذلك فلما سمع بموت شاعر أجنبي (لوي مكنيس) في 9-1-64 رثاه أيضاً، وتمنى الموت ليلحقه ويسعد بالتخلص من معاناته:

ويا ليتني مت إن السعيدْ
من اطّرحَ العبء عن ظهرهِ
وسار إلى قبره
ليولد في موته من جديد! (14)

وفي 9/2/1964 أصيب بالتهاب رئوي حاد وحمى شديدة، وقد تعفنت قروحه السريرية فأدخل بسببها المستشفى في البصرة. وفي المستشفى تحسنت الرئة ولكن لطول رقاده على السرير ازدادت القروح سوءاً وتعفناً، حتى وصلت العمود الفقَري. وكتب في 14/3/1964 إلى صديقه جبرا رئيس تحرير مجلة حوار:
"شُفيت من ذات الرئة، لكن امتلأ ظهري من منتصفه حتى فخذي بجراح ناغرة فاغرة. لا تسأل عن العذاب والألم"(1).
وفي 1/5/1964 تُوفيت جدته الثانية، فكُتم عنه الخبر عشرين يوماً، ثم أخبر ولكن كان انشغاله بآلامه الذاتية قد طغى عليه.
ثم نقل إلى المستشفى الأميري في الكويت جوّاً في 6/7/1964، وقد تبرعت الكويت بعلاجه. وكان وزير الصحة آنذاك عبد اللطيف الثنيان من المعجبين بأشعار بدر. والمقصود بالعلاج هنا هو تخفيف الآلام من المضاعفات الجانبية، وجعله في حالة مريحة نسبياً حتى يحين الأجل المحتوم الذي كان يقترب منه
وبقى في الكويت على فراش الموت يعاني خمسة أشهر أخرى لا يستطيع فيها الحركة.
ولست أدري كيف يحس الإنسان وهو يرى شخصاً مثل بدر يذوب ببطء وهو ينتظر الموت. واليوم 7/5/2002 وأنا أعد هذا الفصل أخبرني أحد الزملاء من أطباء الأعصاب في مؤسسة حمد الطبية عن مريض في الطابق الثالث من موظفي المستشفى مصاب بنفس مرض السياب (ALS)، وهو في المرحلة الأخيرة من المرض. أي المرحلة التي نقل فيها السياب إلى الكويت. ذهبت مع الزميل لزيارة المريض، فرأيت منظراً مؤلماً. كان شاباً سودانياً في الثامنة والعشرين من العمر على فراش الموت. يبدو كالشبح لهزاله وضمور عضلات جسمه.
لم يبق منه غير جلد على عظم. عضلات الفم عاجزة عن بلع ريقه، وأمه المسكينة إلى جنبه تمسح لعابه. أضلاع الصدر ناتئة بدون عضلات واضحة بينها. لذلك فإن عضلات القفص الصدري غير قادرة على مواصلة التنفس أربع دقائق متواصلة
آلة تنفس موصلة بفتحة في الرقبة وأنبوبة تغذية في المعدة مخترقة البطن. كشفت عن ساقيه فوجدتهما كجريدتي نخل نحيفتين. تقول الأم إنه أصيب بالمرض قبل أربع سنوات. بدأ بتصلب في أصابع اليد اليسرى. ثم وجد صعوبة في فك زجاجات المشروبات الغازية. وبعد ستة أشهر وصل المرض الرجلين
مع ذلك فلا زال ذلك الشاب السوداني محتفظاً بكامل قواه العقلية. سمع الطبيب يخبرني بأنه كان صيدليّاً في هذا المستشفى فقاطعه مصححاً بصوت خافت مبحوح: "فني في المختبر.. المختبر" ولكني لم أفهم ما قال فقالت الأم يقول لك إنه كان فنياً في المختبر. سيكون الفصل القادم خاتمة هذه الحلقات عن بدر شاكر السياب وفيه يموت بدر في الكويت بعيداً عن الأهل والأطفال، فيصيح على فراش الموت قبل أن تفارقه الروح:

يا ليل أين هو العراقْ؟
أين الأحبةُ ؟ أين أطفالي؟ وزوجي والرفاق؟


موت السياب في الكويت

وكما ذكرت في الفصل السابق، إن المقصود بعلاج بدر في الكويت هو تخفيف آلامه من المضاعفات الجانبية، وجعله في حالة سريرية مريحة نسبياً، حتى يحين الأجل المحتوم الذي كان يقترب منه. فصحة بدر العامة آنذاك حرجة وفي تدهور. كان فاقد القدرة على تحريك رجليه، ودائرة الشلل تتوسع يوماً بعد يوم في جسمه. وانكمشت الرجلان وضمرتا ضموراً شديداً. وساءت قروحه السريرية وتلوثت بالبول والبراز لعدم قدرته على التحكم فيهما. ولكنه كان متحكماً في قواه العقلية حتى تلك المرحلة من المرض. وبعد ثلاثة أيام من وصوله الكويت كتب قصيدة (في غابة الظلام)، بدأ وكأنه يهذي بسبب الالتهاب والحمى، ولكنه أكملها بأبيات الشكوى من المصيبة، أبيات تنساب حزناً ويأساً وألماً، طلب فيها من الله الموت العاجل

عيناي تُحرقان غابة الظلامْ
بجمرتيهما اللتين منهما سقَرْ
ويفتح السهر
مغالقَ الغيوب لي.. فلا أنامْ
وأسبر الأرض إلى قرارها السحيقْ
ألمُّ في قبورها العظامْ
فطالعتني - كالسراج في لظى الحريق-
تكشيرة رهيبةٌ رهيبة
تليحها جمجمتي الكئيبة
سخرية الإله بالأنامْ
أليس يكفي أيها الالهْ
أن الغناء غاية الحياة
فتصبغَ الحياة بالقتامْ؟
تحيلني بلا ردًى، حطامْ:
سفينة كسيرةً تطفو على المياه؟
هاتِ الردى أريد أن أنام
بين قبور أهلي المبعثرةْ
وراء ليل المقبرة
رصاصة الرحمة يا إله! (14) مثل دثارٍ في الليالي الشاتية... (7)

وفي 3-8-64 أتته رسالة من زوجته تخبره عن أحوال العائلة، فسر بها وكتب قصيدة (رسالة):

 لولا الضلوع التي تثنيـه أن يثبــا  رســــــــالة منكِ كاد القلـب يلثمهـــــــــا
  روحي به ليل بتنا نرقب الشــهبا

لكنها تحمل الطيب الذي سكرت

  في غابة من دخان التبغ أزرعهـــــــــا  وغابةٍ من عبير منك قد ســـــربـــا

جاءت لمرتجف
على السرير، وراء الليل يحتضرُ...
سفينة يتشهى ظلها النهَرُ
فيها الشفاءُ هو الربان، والقدرُ
فيها المغني
لكان مما عراه الداء ينتحرُ!
ويا حديثك عن (آلاء) يلذعها
بُعدي فتسأل عن بابا: "أما طابا"
أكاد أسمعها
رغم الخليج المدّوي تحت رغوتهِ
أكاد ألثم خديها وأجمعُها
في ساعديَّ.. كأني أقرع البابا
فتفتحين... وتخفي ظلَّنا السُّتُرُ !! (14)

وبعد يومين وفي ليلة 5-8-64 جلس ينتظر وصول زوجته وأطفاله، وكأنه يدرك أنه سيكون اللقاء الأخير له معهم، فكتب (ليلة انتظار) وكأنها وصيته الأخيرة إلى زوجته التي اعتبرها قلبه الذي سيتركه على الأرض، وأنها هي التي كتب لها قصائد، فعليها أن تحب قصائده بعد موته تعبيراً عن حبها له:

بعيدٌ بُعْدَ يومٍ فيه أمشي دون عكازٍ على قدمي
يئست من الشفاء، يئست منه وهدني التعبُ
وحلّ الليلُ ما أطويه من سَهَر إلى سهر
...ومن ظلم إلى ظلمِ
غداً تأتين يا إقبال، يا بعثي من العدَمِ
ويا موتي ولا موت
ويا مرسى سفينتيَ التي عادت ولا لوحٌ على لوحِ
ويا قلبي الذي إن متُّ أتركه على الدنيا ليبكيني
ويجأرُ بالرثاء على ضريحي وهو لا دمعٌ ولا صوتُ
أحبيني! إذا أُدرجتُ في كفني... أحبيني
ستبقى - حين يبلى كل وجهي كل أضلاعي
وتأكل قلبيَ الديدانُ، تشربه إلى القاعِ
قصائد كنت اكتبها لأجلك في دواويني
أحبيها تحبيني!! (14)

وقد أسعدته زيارة زوجته وأطفاله، ولكنها سعادة مؤقتة انقلبت إلى حزن، لأنه أدرك أنه على وشْك وداع أهله إلى الأبد. وهكذا بدأ يودع قائلا في قصيدة (المعول الحجري) الذي ذكر عيسى بلاطة أنه كتبها في 4/8/64 (8)، فهو يكتب مشاعره قبل أن يعجز عن الكتابة، ليعرف كل شقي حي أن السياب كان أشقى منه:


حِمى الأسرار تطلعه على المتربص الخافي
إذا نطق الطبيبُ فأسكتوا العرّاف والفوالْ
رنين المعول الحجري يزحف نحو أطرافي
سأعجز بعد حين عن كتابة بيت شعر في خيالي جالْ
لأكتب قبل موتي أو جنوني أو ضمور يدي من الإعياءْ
خوالج كل نفسي، ذكرياتي، كل أحلامي
وأوهامي
وأسفح نفسي الثكلى على الورقِ
ليقرأها شقي بعد أعوام وأعوامِ
ليعلم أن أشقى منه عاش بهذه الدنيا
وآلى رغم وحش الداء والآلام والأرقِ
ورغم الفقر أن يحيا
ويا مرضي قناع الموت أنت، وهل ترى لو أسفر الموتُ،
أخاف؟ ألا دع التكشيرة الصفراء والثقبين
حيث امتصت العينين
جحافلُ من جيوش الدود يجثم حوله الصمتُ...
وداعاً يا صحابي، يا أحبائي (14)

تلك كانت تفاعلاته العاطفية لما تمر عليه من أحداث وهو يصارع المرض الذي يمخر في جسده، وكاد يصل إلى لسانه.

الشهر الثاني في الكويت

بقيت زوجته عنده في الكويت من 6/8/64 إلى 22/8/64، وقبل عودتها إلى العراق بيوم كتب (ليلة وداع) إلى زوجتي الوفية:


أوصدي الباب، فدنيا لستِ فيها
ليس تستأهل من عينيَّ نظرة
سوف تمضين وأبقى.. أي حسرة؟
أتمنّى لك ألا تعرفيها؟
آهِ لو تدرين ما معنى ثوانٍ في سرير من دمِ
ميِّت الساقين محموم الجبين
تأكل الظلماءَ عينايَ ويحسوها فمي،
تائهاً في واحةٍ خلف جدارٍ من سنين
وأنينٍ، مستطار اللب بين الأنجم
في غدٍ تمضين صفراء اليدِ
لا هوًى أو مغنمٌ، نحو العراقِ
وتحسين بأسلاك الفراقِ
شائكات حول سهلٍ أجردِ
مدها ذاك المدى، ذاك الخليج...
كلُّ ما يربط فيما بيننا محضُ حنينٍ واشتياقِ
ربما خالطه بعضُ النفاق!

لم يذكر الحادثة التي أغضبتها عليه لما اكتشفت ما خبأه من خصلة شعر لممرضة اسمها ليلى أحبها في بيروت، وتمنى لو كانت زوجته أقل غيرة وأكثر صراحة آنذاك:


آهِ لو كنتِ، كما كنتُ، صريحة
لنفضنا من قرار القلب ما يحشو جروحه
ربما أبصرت بعض الحقد، بعض السأَمِ
خصلةً من شعر أخرى أو بقايا نغمِ
زرعتها في حياتي شاعرةْ
لست أهواها كما أهواك يا أغلى دمٍ ساقى دمي
إنها ذكرى ولكنك غيرى ثائرةْ
من حياةٍ عشتها قبل لقانا
وهوًى قبل هوانا
أوصدي البابَ، غداً تطويك عني طائرة
غير حبٍ سوف يبقى في دمانا (14)

وفي 17-9-64 كتب رسالة إلى أدونيس: "صحتي العامة لا بأس بها، ولكن ساقي الكسيحتين ما زالتا على وضعهما. إن نفسي تتدفق بالشعر، ولكنه يدفق من ينبوع ألم عظيم ويأس لا طرب" (1).
ولكن حقيقة الأمر ليست كما ذكر بل إن صحته في تدهور مستمر وتهبط هبوطاً سريعاً، فقدْ فقدَ الشهية للطعام وزاد حاله هزالاً وأصبح يجد صعوبة في الكلام أحياناً. وقد أصيب بكسر في فخذه اليسرى بينما المدلكة تقوم بتدليكه وذلك لضعف العظام (Osteoporosis) كما أصيب مرتين بالنزلة الصدرية (8).
أما حالته النفسية فقد ساءت أيضاً وظل فريسة لنوبات من الكآبة والاضطراب النفسي. أصيب بـ"القلق الارتكاسي أو العكسي:Reactive Anxiety وهو انعكاس لمرضه الجسمي. كان فريسة
الوسواس والرؤى المزعجة، فيدخل في أحلام يقظة مخيفة ولا يكاد يستفيق من حلم مرعب حتى يتردى في حلم آخر أشد هولاً (1).
قال للسبتي، صديق كويتي، مرة إن جماعة من الشيوعيين تتآمر لقتله، ثم غاب عنه قليلاً، ولما عاد قال السياب له إن أنباء أخرى وصلته تؤكد أنه تم القبض على تلك العصابة (1).
دخل عليه السبتي ذات يوم فوجد ممرضة هندية تقف أمامه، وهو يشتد في توبيخها، فلما سأله قال السياب في حدة: "ألا تخجل هذه المرأة من الدخول علي والنساء العاريات يحطن بي" (1).

الشهر الثالث في الكويت 

ففي أكتوبر1964 بلغ الضعف به حداً عاد معه غير قادر على الأكل، فوضع أنبوب للتغذية في أنفه. وزادت نوبات الهذيان والتصورات الوهمية. قال مدير المستشفى: كان بدر يهذي بإساءات من أهله وأقاربه وزوجته. ويروي إبراهيم أبو ناب: أن بدراً حدثه كيف كان إبليس يحاول جره إلى النار، وكيف كان هو يقاوم بأنه ليس الشخص المراد به ذلك. ويقول ناجي علوش إنه كان يسمع بدراً يهذي بالجن والأرواح (8).
ومع أن هذا المرض لا يؤثر في عقل المريض إلا أن الضعف العام والتعقيدات الصحية والنفسية أثرت أخيراً في صفاء تفكير بدر، ولم يستطع أن يفكر بوضوح ويكتب شعراً لمدة طويلة نسبياً.
وفي صحوة ذهنية في 10-11-64 وهو في شهره الرابع في المستشفى الأميري في الكويت كتب قصيدة (نفسٌ وقبر) معبرة عن يأسه، لعن فيها آباءه وحملهم مسؤولية عذابه، كما حمل المعري أباه
مسؤولية عذابه لا لشيء إلا لأنه تسبب في ولادته، فقد قال المعري:
"هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد"
وذلك لأنه لم يتزوج حتى ينجب أطفالاً أشقياء. وتمنى بدر أن يبادل الدودة حياتها كما تمنى موتاً يأتي كالنوم فينهي عذابه:

جـــــــرداء لا مــــــــــــاءٌ ولا عُشـــــــــــــبُ  نفســــــــــــي من الآمـــــــــــــال خاويـــــــــــةٌ
لا أرتجيــــــــه هــــــــــو الـــذي يجـــــــــــبُ  ما أرتجيــــــــــه هو المحــــــــــال ومـــــــــــــا
 في الجو خرّتْ وهــي تنتـــــحــــــــــــــــــــبُ  قـــــدرٌ رمى فأصــــــــاب صــــــــادحــــــــــــــة
أفــــق الصـــبــــاح تضيئــــــه الســـــــــحبُ؟  من ذا يُعيـــــــــــــدُ إلـــــــــى قــــوادمـهــــــــــا
 تأتي؟ وأيُّ دعــــــاء ملهــــــــــــــــــــــوفِ؟  صُـلبَ المســــــيحُ فـــــأيُّ معـــجـــــــــــــــــــزة 
 أغـــــلاقها؟! حبــــــلٌ من الليــــــــــــــــــفِ  ســـتزيح أبــوابُ الســــــــــــــــماء لـــــــــــــــه
ليهــــــــزّ عــــــــــرش اللــــــه تخـــريـفـــــــي هيهـــــــــــات يُرقــى للســـــــــــــــــماء بـــــــــه
عين المــــــــــلاك: "وأي ملهـــــــــــــــــوفِ "مـــــولاي مشــــــلولٌ!" فتحــــــدجنـــــــــــــي
 ارجـــــــــــــــع لبيـــــتك دون إبطـــــــــــــاء"  لا يشـــــــــــــــتكي للــــــــــــــه محــنتـــــــــــه؟
  وأدبُّ حيـــّـــــــــــــــــــــــــــاً بين أحــيـــــــــاءِ  فبــــــــأي آمـــــــــــــــــالٍ أعيـــــــــــــــــش إذن
 عدل الســــــــــــــمـــــــاء لعنت آبـــــــائـــــــي  لـــــولا مخافــــــــــــةُ أن يعــــــــــــــــــاقبـــــني
 مــــــن بـائســـــــــــــــين ومــــــــــــــن أذلاءِ  ولعنت ما نســــلوا ومــا ولــــــــــــــــــــــــــدوا
 بـــــــردٌ يقلصــــــهـــــــا ويطـــــــــــويهــــــــــا  الــدودة العمـيــــــــــــــاء يلســـــــــــــــعهــــــــا
 عيشي بعيـــــشٍ كـــــــــاد يُفنيـهــــــــــــــــــــــا  أوّاهُ لـــــــــــو ترضـــــــــى تـبــــــــــــــــــــادلني
 بلوى لصحتُ: وخير ما فيهــــــــــــــــــــــــــــا  ولو اســـــتجاب الله صــــــــــــــــــــــــــــرخة ذي
 ويمــــــــــــس آلامــــــي فينهــيـهـــــــــــــــــا (14)  مـــــــــــوتٌ يجــــــــــيء كأنـــــــــــه سِـــــــــــنـة

زارته الشاعرة سلمى الجيوسي في المستشفى الأميري في الكويت وكتبت ما لاحظته:"في أنفه أنبوبة طعام، والحياة تهجر جسمه الذي أذوته الجهود والأوجاع. وعذبه ترقب الموت". إنه ينادي.."لقد ضاع دفتر شعري الجديد" وبصوت يكاد لا يسمع "إقبال لم تجئ" ثم بعد لحظات "لقد ضاع مني كل شيء" (8).

الشهر الخامس والأخير في الكويت

وبازدياد التدهور في صحته كان يفقد الوعي لمدة ساعات، وأخيـــراً أصيب بنزلة رئوية شديدة Bronchopneumonia لم يتمكن من الصمود أكثر، ففارق الحياة يوم الخميس 24/12/1964 في الثامنة والثلاثين من العمر، ونقل جثمانه إلى البصرة براً في اليوم الثاني، ودفن في مقبرة الحسن البصري يوم الجمعة بينما كانت الأمطار تهطل. رحم الله بدراً فكم قاسى البؤس والفقر والمرض، لكنه ترك لنا شعراً ذاتياً فريداً، شعر المعاناة والعذاب المفعم بالإحساس الحقيقي والتجربة المرة. وكان بدر قد كتب قبل وفاته (إقبال والليل)، قصيدة لم تؤرخ، ولكنها الأخيرة، وهي قصيدة حزينة ينفطر لها القلب الرقيق. وهي أول ما قرأت من قصائده فأبكتني. تذكرني تلك بقصيدة ابن زريق البغدادي الذي ودع زوجته في بغداد وسافر إلى الأندلس، لفاقة أصابته، وقد كانت أيضاً آخر قصيدة كتبها ابن زريق قبل وفاته ومطلعها (لا تعذليه فإن العذل يولعهُ) ومما قال ابن زريق فيها:

 بـه ولا أنّ بــي الأيــــــــــــــــــام تفجعـــــــــــــــهُ  ما كنــــت أحســــــب أن الدهر يفجـــــــــــــــعني
 بيــــــدٍ عســـــراءَ تمنعــــني حظــــــي وتمنعــــــهُ  حتـــــــى جــــــــــرى البين فيمـــــــــا بيننـــــــــــا
 فمــــــا الذي بقضــــاء الله يصـــــــــــــــــنعه(23)  وإن تغـــل أحــــــــداً مـنـــــــــــــا منيّـتـــــــــــــــه

أما بدر فإنه قال:

 تهاوينَ كالأمطار بالهـــمّ والســـــــــهـــدِ

 ما وجــــــــدُ ثكـــــلى مثلُ وجـــــدي إذا الدجــــــى

 وزغبٍ جياعٍ يصـــــــرخون علــــــــى بُعْدِ  أحـــــــن إلـــــــــى دارٍ بعيــــــــــــــــدٍ مــــــــــــزارها
 مجيئاً له يجلـــــو من اليأس والوجـــــــــدِ  وأشـــــفقُ من صـــبح ســــــــيأتي وأرتجـــــــــــــــي


يا ليل ضمَّخكَ العراقْ
بعبير تُربتهِ وهدأةِ مائهِ بين النخيلِ
إني أُحسُّك في الكويت وأنت تَثقُل بالأغاني والهديلِ
أغصانك الكسلى و "يا ليل " طويلِ
ناحت مطوَّقةٌ بباب الطاق في قلبي تذكّر بالفراقْ
في أي نجمٍ مطفأ الأنوار يخفق في المجرّةْ
ألقت بي الأقدار كالحجر الثقيل
فوق السرير كأنه التابوت لولا أنّةٌ ودمٌ يراقْ
في غرفة كالقبر في أحشاء مستشفى حواملَ بالأسرّة
يا ليلُ أين هو العراقْ؟
أين الأحبةُ ؟ أين أطفالي؟ وزوجي والرفاق؟
يا أمَّ غيلان الحبيبةَ صوّبي في الليل نظرةْ
نحو الخليج، تصوريني أقطع الظلماء وحدي
لولاكِ ما رمتُ الحياةَ ولا حننتُ إلى الديارْ
حببتِ لي سدف الحياة، مسحتها بسنا النهار
لمَ توصدين الباب دوني، يا لجوّاب القفارْ
وصل المدينة حين أطبقت الدجى ومضى النهار
والبابُ أغلق فهو يسعى في الظلام بدون قصدِ
أين الهوى مما ألاقي والأسى مما ألاقي؟
يا ليتني طفل يجوع، يئنّ في ليل العراقِ!
أنا ميّت ما زال يحتضر الحياةْ
ويخاف من غده المهدد بالمجاعة والفراقِ
إقبال مدّي لي يديك من الدجى ومن الفلاةْ
جسِّي جراحي وامسحيها بالمحبة والحنانْ
بك ما أفكر لا بنفسي: مات حبُّك في ضحاه
وطوى الزمان بساط عرسك والصبا في العنفوان (14)

                                       وهكذا أنهيت دراستي لأشعار السياب.

 


1- بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره: إحسان عباس (1983). 2- إقبال: بدر شاكر السياب. 3- رسائل السياب: ماجد السمرائي. 4- قيثارة الريح: بدر شاكر السياب. 5- البواكير: بدر شاكر السياب. 6- أعاصير: بدر شاكر السياب. 7- منزل الأقنان: بدر شاكر السياب. 8- بدر شاكر السياب حياته وشعره: عيسى بلاطة (1987). 9- قيثارة الريح: بدر شاكر السياب. 10- الهدايا: بدر شاكر السياب. 11 - المعبد الغريق: بدر شاكر-12 السياب. 13- إيليا حاوي: بدر شاكر السياب ج1 ص19 13- أزهار وأساطير. 14- إقبال وشناشيل ابنة الجلبي. 15- Solomon: Handbook of Psychiatry 16- شعر بدر شاكر السياب: حسن توفيق. 17- K. Kiple: The Cambridge World history of Human Disease 18- arrionصs: Principles of Internal Medicine 14th Edition ديوان يدر شاكر السياب :ج2 ناجي علوش