أمــــلنــــــــــا
كبيـــــــــــر في الإمهـــــــــــــــــــات

بابكر عيسى
مدير تحرير جريدة الرايــة
القطرية
كانت فرحة الأم من نوع خاص
عندما برقت عيناها بذلك الضياء
الوهاج وأشرق وجهها مثل بدر
الدجى وهي تعانق ابنها الذي
خرج للتو من غرفة العمليات
يرتدي ذلك الرداء الأخضر وعيناه
ذابلتان من تأثير البنج.. فكرت
في أن تطلق زغرودة عندما أخبرها
الطبيب بنجاح العملية.. ذلك
الممدود على سرير الشفاء هو
ابنها الوحيد وسط ثلاث شقيقات
ومنذ رحيل والده أصبح هو النبراس
الذي يضيء البيت والرجل الذي
تستطيع الاعتماد عليه في ستر
شقيقاته ورعاية البيت الكبير
والسهر على شيخوختها، لم يكن
ما حدث مفاجأة، كان يشعر بالآلام
تداهمه منذ فترة من الزمن،
وعندما راجع الطبيب أخبره بكل
الحقائق عن حالته الصحية وقال
له بكلمات جادة ومحددة وقاطعة
أنه يحتاج إلى زراعة كلية وأضاف:
حتى يتحقق ذلك ستخضع لعمليات
غسيل الكلى ثلاث مرات في الاسبوع.
لم يكن من السهل ان يخفي الذهول
الذي غطى وجهه بطبقة من الحيرة
والقلق كما لم يكن من الممكن
ان يخبىء عن أمه الحبيبة حالته
الصحية وما قاله الطبيب، وأجهشت
ببكاء حار بلل صدرها وهي تحتضنه
في محبة وحنان وعندما بلغ الخبر
شقيقاته تحول البيت الهادىء
إلى مبكى وران عليه صمت يوشك
أن يبوح بمقدار الألم الذي
في الصدور. ظلت الحياة على
منوالها تفتقد ذلك الألق الجميل
ولكنها تواصل الدوران وسط الحيطة
والحذر والخوف فهو يعني الكثير
لأمه ولشقيقاته الثلاث ومجرد
التفكير في ان مكروها قد يحيق
به يجعل الخوف يسكن العيون
الحنون التي ترقبه في غدوّه
ورواحه، وعندما يتأخر لأي سبب
من الأسباب ينتاب القلق الجميع.
ظلوا على هذا الحال شهوراً
طويلة وفشلت نتائج المتبرعين
من شقيقاته ومن الأهل معملياً
حيث لا تتطابق، وظل الأمل معقوداً
على السماء لعل الله برحمته
التي تسع كل شيء أن يهيىء لهم
الأسباب في العثور على متبرع،
ولم يدم الانتظار طويلا حيث
كانت تجاورهم سيدة يشع الورع
والصلاح من وجهها، إنسانة جميلة
في كل شيء وأم لعدد من الصبيان
وكانت تعرف بحالة ابنهم الوحيد
وعندما أصيب ابنها الكبير في
حادث مروري وأدى إلى وفاته
دماغيا قررت متجاوزة أحزانها
ومصيبتها وفقدها أن تحصل على
موافقة الأب بالتبرع بالكلية
إلى جارهم المريض.
لم يكن ما حدث مفاجأة بل كانت
فرحة عارمة عندما قرر الاطباء
ملاءمة الكلية الجديدة للمريض
وبدىء على الفور في إجراءات
العملية الجراحية بمستشفى حمد
العام على أيدي نخبة من أكفأ
الأطباء والفريق المساعد وسط
ابتهالات الأهل ودعائهم الذي
عانق السماء.. نجاح العملية
وفضل المتبرع أنشآ علاقة حميمة
بين الاسرتين حيث تواصلت جلسات
السمر والدردشة بين الامرأتين
وكانت المودة والألفة فاتحة
خير ان يخطب اثنان من أبناء
الجارة اثنتين من بنات جارتها
وأصبح ابنهم الكبير يمر كل
صباح على جارتهم حيث يجدها
تقرأ القرآن فيقبل يدها وجبينها
وصار لها ولدا عوضاً عن ابنها
الذي اختارته العناية الإلهية.
وانتشرت هذه الواقعة الحقيقية
بين الناس وأصبحت حكاية تتداولها
الألسن والشفاه. المفرح أن
والدة المتوفى ظلت تخرج إلى
المساجد وإلى التجمعات النسوية
لتبشر الأمهات بفضل التبرع
بالأعضاء للمرضى والمحتاجين
حتى أصبحت داعية لهذا النوع
من العمل النبيل وانتشر صيتها
وعرف الجميع حكايتها فأثنوا
على نبلها وحسن تصرفها.
سرعان ما انتقلت العدوى الحميدة
من مجلس إلى بيت ومن حديث هاتفي
إلى ثرثرة عامة حتى قررت مجموعة
من الأمهات تكوين جمعية خيرية
وإنسانية للتبرع بالأعضاء وحث
الأمهات للانضمام، ولجذب الانتباه
والاهتمام استعانوا بفتاوى
من رجال الدين لإقناع البقية
المترددة، وكبر حجم الجمعية
وأصبحت لها تبرعات تدر عليها
دخلا طيبا لمساعدة الأسر المتعففة
والمحتاجة كما اتسعت دائرة
التبرع بالأعضاء جميعها في
حالات القضاء والقدر، وظل هذا
المنهاج متصلا بروح راضية وبقناعة
تامة حتى ان مدير عام مؤسسة
حمد الطبية عقد مؤتمرا صحفيا
دعا له كل وسائل الإعلام ليوجه
الشكر إلى جمعية الامهات باسم
المجتمع.
عندما ضحك الابن الذي شفي بحمد
الله من الفشل الكلوي قالت
له الأم ليس أمامك من خيار
سوى ان تتزوج شقيقة تلك السيدة
الفاضلة وهي في عمرك وعلى خلق
كريم.. وكان الفرح فرحاً للجميع
حتى ان مؤسسة حمد الطبية تكفلت
باستئجار صالة الافراح وتيقن
الجميع: ان الله لا يضيع أجر
من أحسن عملاً..