معاناة الداء والعذاب في أشعار السياب

د. حجـــــــــــر أحمــــــــــــــد حجــــــــــــر البنعـــــــــــــلي *

                 الحادية عشرة  
مقدمة

بدر شاكر السياب شاعر عراقي توفى سنة 1964م بعد أن أصيب بمرض خطير لا تعرف أسبابه ولا يعرف له علاج. إنه مرض يقتل خلايا الأعصاب فيصاب المريض بالشلل ويؤدي إلى الوفاة. فمعاناة السياب وصراعه مع المرض العضال ووصفه لما يحس من ألم ويأس، زادتني عطفاً وحزناً عليه ورغبة في الاطلاع على ما كان لديه. فقررت مواصلة البحث في أشعاره وتحليل قصائده. وحيث إني سأنشر هذه الدراسة في حلقات (بين الطب والأدب) لزملائي الأطباء بشكل خاص، فلابد أن أنهج في هذه الحلقات نهجاً مألوفاً لدي ولديهم وذلك بالتركيز على الأعراض والمشاكل الصحية والنفسية والاجتماعية للمريض الشاعر.

 

  

الأخيـــــــــرة

لقد أنهيت في الفصل السابق ما أردت شرحه وتفسيره من أشعار السياب عن صراعه المرير مع المرض ومعاناته. ولقد فرضتْ علي أشعاره ذكرَ بعض الحوادث السياسية والاجتماعية في حياته، فذكرتها باقتضاب. أما المعاناة المرضية فاسترسلت في ذكرها بإسهاب. وقصيدته الأخيرة المؤثرة (إقبال والليل) التي كتبها قبل أن يلفظ أنفاسه، جعلتني أحس وكأني أراه يبكي وحيداً متغرباً، في ليلة ظلماء، في المستشفى الأميري في الكويت. كان يناجي وطنه وزوجته وأطفاله في العراق في حسرة وشوق. فأثارت تلك القصيدة في نفسي الشجون، وتفاعلت مشاعري مع مشاعر الشاعر الحزينة، فعبرت عنها شعراً أكتبه له. وكأني به يسمع شعري الذي امتزجت فيه مواساتي له بالرثاء والعزاء. فأفردت القصيدة في فصل خاص كخاتمة للفصول السابقة عن (معاناة الداء والعذاب في أشعار السياب). وبعد التمعن في القصيدة وجدتها تلخيصاً شعرياً لما ذكرته نثراً في الفصول السابقة. أي أن ما اختزن في ذاكرتي عن حياة السياب، ومعاناته وصراعه مع المرض العضال، بعد دراستي لأشعاره، أبى إلا أن يظهر في هذه القصيدة:

 أيا بـــــــــــــدرَ العـــــــراقِ لــــــــــكم دعـــــــــــائي
 أيــــــــا بــــــــــدرُ بنُ شـــــــــــاكرَ مـــا نســـــــــينا
 أبا غيــــــــــــلان إنـــــي قــمــــــــتُ أشــــــــــــــــدو
 سأشــــــــــــرحُ داءَكـــــــم في مـا كتبتــــــــم
 فقــــــــــــد عــانيـتـــــــمُ داءً عصــــــــــــــــيبـــــــــــاً
 أبــــــــا غيــــــــلانَ يـا بـــــــــــــدراً تجــــــــــــــــلّى
 قضيتُ الشـــــــــهرَ أقــــــرأُ ما كـتبتـــــــمْ
 وكم حاولتَ أن تحظى بحـــــــبٍّوكم
  تشــــــــــــكو مــــن كُســــــــــــــــــــاحٍ
 كُســـــــــــاحُك لا عـــــــــلاجَ لـــــــــه بطـــــــــــــبٍّ
 قـرأتُ قصـــــــــيدَكــــم فبكيتُ حــــــــــــــــزناً
 فآخِــــــــرُ مـــــا كتبتَ أســــــــالَ دمـــــــــــــعي
 تحنُّ إلى العـــــــراقِ وفـيـــــــــــك وهــــــــنٌ
 (أحسُّك في الكويتِ) تصيحُ حـــزناً
 وقد شـــــاهدتُ في الأشــــــــعار بــــدراً
 أذابَ الـــــــــداءُ أعصـــــاباً ولحـمـــاً
  فما أبقـى ســــــوى جـلــــدٍ وعظــــــــمٍ
 وقلبٍ لا عنـــــــــاءَ لـــــهُ بجـســــــــــــمٍ
 وترجفُ ســـــــــاقُه رجفـــــــــاً خـفيـــــــــــفاً
 وقـــــــد أدركتُ أنَّـــــــا مـــــــــــا التقيـــــــــــــــنا
  فكــــــــم قاســـــى أبو غـيـــــــــلانَ حتــــــى
 وقــــــــــد فَقَــــــدَ الحـنـــــــــــــانَ بـــــــدونِ أمٍّ
 فكـــــان الفقـــــرُ أهـــــــونَ مــــــــا يُعــــاني
 وصــــــــار الداءُ يوغِـــــــــــل ُ في قـــــــــواهُ
 وصــــار المــــــوتُ هــــــاجسَ كلِّ يـــــــــــومٍ
 إذا عصــــــــفتْ بـه الحُمّــــــى كنـــــــــــــــارٍ
 تعــــــــــــاودُ في النهــــــــارِ وفي المســــــــــاءِ
 تشـــــط به، فيهـــــذي فـي نشـــــــــــيدٍ
 فأعـــــــذُلُ ثــــــــم أعـــــذُرُ مـنه قـــــــــــــــولاً
 فَداءُ اليـــــــــأسِ أســــــــوأُ ما يــــــــــلاقي
 عليـــــــــلٌ لا يــــــرى نـــــــورَ الشــــــــــفـــــاءِ
 فلا جــــــــــرمٌ عليـــــــــــهِ إذا تمـــــــــــــــــادى
 فيطـلق صــرخةً حيـــــرى بحــــزنٍ
 إلـــــــهَ الكــــونِ عفـــــــوكَ إن تمـــــادى

بجنــــــــــــــــــــــاتٍ ورضـــــوانِ السمــــــاءِ  صـدى السيابِ في شعــرِ العَنــاء بأشـــــــــــعار تميــــــــــل إلى الرثـــــــــــاء من الأشعـــارِ في وصــفِ البَــلاءِ
كأيــــوبٍ يعــــــــــانــــي شـــــــرَّ داءِ (1)
بأشـــــــــــــــعارٍ وأنـغـــــــــــــامِ البُـكــــــــــــــاءِ عن الآلامِ أو خــــــــوفِ القضــــــــاءِ ولكن لا حظـــوظَ مــــــع النِّساءِ بأشـــــــــــــــــــــعارٍ أرقَّ مــــــن
  الهـــــــــــــــــواءِ
وحتــى اليــــــــومِ فـهــــو بــــــــلا دواءِ وقــــــــــــــد عانـيـــتَ آلامَ البَــــــــــــــــــــــلاءِ بـ (إقبالٍ) ترددُ في النـــــداءِ (2) عليــــــــــــلاً تائقـــــــــــاً لهــــــوًى ومـــــــــــاءِ
تحـنُّ إلى الديـارِ، إلى اللقـــاءِ (3) نحيفاً فـــي فراشٍ كالـرشاءِ (4) كذوبِ الملحِ في قعــرِ الإنــــاءِ (5) وعينٍ برَّقت نحـوَ السـمــــــاءِ (6) هزيـلٍ هدَّهُ طــــــولُ العـنــاءِ (7) فيبدو الرّجفُ في خفْقِ الرِّداءِ ولكنـــــــــــي شـــــــــــــهدتُ بـــــــــلا لقــــــــــــاءِ
تمنّــى المــــــوتَ منبــتّ الرجـــاءِ (8) صــــغيراً والكــــــــروبُ بــلا جـــــــــــلاءِ ويُلصِــــــقُه الثَّــــرى بُعـــــدُ الثَّـراءِ (9)
وأبــــــــــــــــلاه الإلــــــــــــــــهُ بخـطـــــــــــــبِ داءٍ
عســــــــــــــــيرٍ لا يعـــــــــــــــــــالَـجُ بالــــــــــدواءِ
ويجعــــــلُ شِعــــــرهُ شِــــــعرَ الشَّـــــقــــاءِ
فيدعـو اللهَ تعجـيلَ القضـــاءِ (10)تعــــــــــــاودُ في النهــــــــارِ وفي المســــــــــاءِ
ويُفقِــــــــدُ عقـــــــــلَه بعضَ الصـــــــفـــاءِ
يفسـَّـــــرُ بالجحــــــــودِ وبالجَـفــــــــــــــــاءِ
 عليـــــــــلٌ لا يــــــرى نـــــــورَ الشــــــــــفـــــاءِ
مريضٌ يشــــــتكي قُــــــربَ الفنــــــــاءِ
وقد حــــــــامَ الرَّدى حــــــولَ الـــرِّداءِ
فمنــــــك العـفـــــــــــو يا ربَّ الســـــــماءِ

(معاناة الداء والعذاب في أشعار السياب)

 

في كتاب

أصدر المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في دولة قطر مؤخراً، كتاب (معاناة الداء والعذاب في أشعار السياب)، لسعادة الدكتور حجر أحمد حجر البنعلي وزير الصحة العامة رئيس مجلس إدارة مؤسسة حمد الطبية، والذي استطاع فيه ان يحشد المعلومات والاستنتاجات الطبية مترافقة مع تحليل وانطباعات بالغة الرهافة، لشخصية الشاعر العراقي بدر شاكر السياب وشعره. وكان سعادة الدكتور حجر دقيقاً جداً في تشخيص نموذج السياب طبياً وأدبياً وإنسانيا، فكان جهدا موفقاً، قيماً ونادر المثال. الجدير بالذكر أن مجلة الصحة كانت قد نشرت هذا الكتاب في حلقات تختتم بصدور هذا العدد. أسرة مجلة الصحة تتقدم بالتهنئة لسعادة د. حجر بمناسبة صدور هذا الكتاب الأدبي العلمي المميَّز.

 


1. أيوب: إشارة إلى قصيدته (سفر أيوب). 2. إقبال: إشارة إلى قوله في قصيدته (إقبال والليل): إقبال مدّي لي يديك .. 3. (أُحسُّك في الكويت): إشارة إلى قوله في قصيدته (إقبال والليل): يا ليل ضمَّخكَ العراقْ بعبير تُربتهِ وهدأةِ مائهِ بين النخيلِ إني أُحسُّك في الكويت وأنت تَثقُل بالأغاني والهديلِ 4. الرشاء: الحبل. 5. إشارة إلى قوله في قصيدته (سفر أيوب 9): أحال ظهري عمود ملحٍ.. 6. برّق: أحدَّ النظر. 7. أي أن جسمه أصبح هزيلاً لا يشق على القلب تغذيته بالدم. 8. منبت: منقطع. 9. أي أن الفقر المدقع ألصقه بالتراب. 10. إشارة إلى قوله في قصيدته (في غابة الظلام): هاتِ الردى، أريد أن أنام... ... رصاصة الرحمة يا إله!.