حقوق الطفل داخل غرفة العمليات

 
د. أحمد سيف مكي
استشاري جراحة التجميل
مؤسسة حمد الطبية

المشهد داخل غرفة العمليات في مستشفى من المستشفيات: طفل صغير يصرخ بأعلى صوته، حوله رجال ونساء أغراب عنه، يرتدون ملابس زرقاء أو خضراء، يضعون أغطية فوق رؤوسهم وأقنعة فوق وجوههم. هؤلاء الاغراب يمسكون بأيدي وأرجل الطفل محاولين تثبيته فوق طاولة العمليات وهو يحاول جاهدا الخلاص، بينما طبيبب التخدير يضع كمامة سوداء على أنف وفم الطفل المرعوب، تنبعث منها غازات ذات رائحة نفاذة بغية تخديره، ويستمر هذا المشهد إلى أن يتم تخدير الطفل استعدادا لبدء العملية الجراحية. هذا الطفل قد يكون ابني أو ابنك. ذكر لي احد الاطفال الذين مروا بهذه التجربة" ان الغازات المستخدمة في التخدير رائحتها كريهة، والكمامات السوداء التي توضع فوق فم وانف الطفل مخيفة، والاطفال الصغار لا بد وان يبكوا ويقاوموا بشدة للفرار من هذا المكان المفزع".
التجربة القاسية التي قد يمر بها الطفل قبل العملية الجراحية وأثناء وجوده داخل غرفة العمليات من الممكن أن تترك اثرا سلبيا لديه يجعله يخاف ويكره المستشفى والاطباء والدواء، وهذا ما لا نريده لأي طفل.
دراسة حديثة اوضحت أن 75% من الاطفال الذين يبكون خوفا قبل بدء العملية مباشرة واثناء اعطائهم جرعة التخدير رغما عنهم معرضون للكوابيس والاحلام المزعجة لعدة اسابيع بعد العملية، ليس هذا فقط وانما ايضا تكون فترة النقاهة لديهم بعد العملية اطول من اقرانهم. نفس الدراسة ذكرت أن 65% من الاطفال يصابون بحالة من القلق والتوتر قبل اجراء الجراحة، خاصة الاطفال دون الرابعة. معظم هذا التوتر والقلق يحدث عند اخذ الطفل من ابويه والتوجه به الى غرفة العمليات ذات الجو المفزع لهذا الطفل الآمن. دراسة اخرى اجريت على اطفال اجريت لهم عملية استئصال اللوزتين، أوضحت أن الاطفال الذين دخلوا الى غرفة العمليات وهم اكثر هدوءا احتاجوا إلى مسكنات الام بعد العملية اقل من غيرهم وعادوا الى مدارسهم في وقت اسرع من الاطفال المنزعجين اثناء دخولهم غرفة العمليات.
هناك عدة اجراءات تلجأ إليها بعض المستشفيات لتخفيف حدة الفزع التي قد يتعرض لها الطفل قبل بدء العملية الجراحية. من هذه الاجراءات اعطاء الطفل دواء مهدئا بالفم يساعد على تهدئته وينسيه الموقف، لذلك حتى الاطفال الذين سوف يبكون اثناء اعطائهم جرعة التخدير لن يتذكروا هذا الموقف بعد افاقتهم من العملية. هذا المهدئ عادة يعطى قبل بدء العملية بثلث ساعة تقريبا. هذا الدواء المهدئ ليس فقط مهما للطفل ولكنه ايضا يريح الابوين اللذين قد يسبب لهما توتر الابن اشد الالم النفسي.
من هذه الاجراءات ايضا ما تقوم به بعض المستشفيات من السماح لاحد الوالدين بمرافقة ابنهما الى داخل غرفة العمليات لازالة الرهبة والخوف لديه إلى أن يتم تخديره،وهكذا يظل الطفل في حضن أمه الدافئ الذي يمنحه الحنان والامان إلى أن يتم تخديره بهدوء،عندها تخرج الأم إلى خارج غرفة العمليات ايذانا ببدء العملية الجراحية. الاطفال الاكبر سنا يمكن شرح الاجراءات التي سوف تتم لهم واعطاؤهم فكرة مسبقة لما سيرونه يوم العملية حيث أن هذا يساعد بدرجة كبيرة في تخفيف الخوف الذي قد ينتابهم، بل إن بعض المستشفيات ذهبت لما هو ابعد من ذلك حيث سمحت للاطفال بالقيام بزيارة مسبقة لغرفة العمليات مع تقديم شرح مبسط لهم عن سبب وجود التجهيزات المختلفة الموجودة داخل غرفة العمليات وسبب ارتداء العاملين في هذا المكان هذا النوع من الملابس وربما السماح لهم باللعب بقفازات الجراح وارتداء اغطية الرأس إلى غير ذلك. كل هذا من اجل ازالة الرهبة من نفوس الاطفال.
غرفة العمليات قد تبدو لبعض الناس - خاصة الاطفال- مكانا مرعبا بما تحويه من تجهيزات غير مألوفة مثل طاولة العمليات والانوار الكبيرة المتدلية من السقف واجهزة التخدير والالات الجراحية المعقمة والاجهزة الاخرى الخاصة بكل تخصص من تخصصات الجراحة. غرفة العمليات أيضا مخيفة للطفل بسبب شكل الزي الذي يقتضي العمل في هذا المكان ارتداءه لضمان سلامة التعقيم.
أكتب هذه الكلمات لاحساسي أن الطفل العربي أقل حظا من الطفل الغربي في كل شئ.