العـــــراق و مجلس وزراء الصحة في الخليج

بقلم : د. حجـر أحمد حجـر البنعلي
وزير الصحة العامة
رئيس مجلس إدارة مؤسسة حمد الطبية و العضو
المنتدب
اليوم وبعد أن زال كابوس نظام صدام حسين عن العراق، غير المأسوف عليه، والذي يذكرني بقول الشاعر:
وما
من يدٍ إلا يدُ
الله فوقَها
ولا
ظالمٍ إلا سيُبلى
بأظلمِ
فبغض النظر عن اختلاف الآراء بالوسيلة المحزنة والضحايا من الأبرياء أثناء الحرب على العراق، وهل العراق الآن محرر أم محتل، فإننا نتطلع إلى اليوم الذي يعود فيه العراق إلى الحظيرة الخليجية بحكومة وطنية يختارها شعب العراق، تقيم علاقات أخوية حميمية مع دول مجلس التعاون الخليجي، أو تكون عضواً فعالاً في المجلس، يزيد مجلسنا قوةً وتأثيراً في عصر تكثر فيه التكتلات الدولية والإقليمية لحماية مصالحها.
لقد كان أولُ اجتماعٍ حضرته لوزراء الصحة في الخليج هو اجتماع المؤتمر السادس في 2-7 يناير 1979 في مسقط، أي قبل أربع وعشرين سنة، وكان المرحوم خالد المانع وزير الصحة آنذاك رئيساً لوفدنا القطري. وكانت الجمهورية العراقية عضواً فعالاً في مؤتمرنا الخليجي، كما كانت عضواً في اللجان والمؤتمرات الخليجية الأخرى حتى الغزو العراقي المشؤوم للكويت الشقيقة.
وكان من أهم إنجازات مجلس وزراء الصحة في الخليج منذ سنواته الأولى تشجيع إنشاء صناعات دوائية في الخليج. وكانت فكرة تصنيع الأدوية في الخليج قد طُرحت في المؤتمر الأول للمجلس سنة 1976 في الرياض. وأول شرح مقنع سمعته عن أهمية تشجيع الصناعة الدوائية في الخليج وعن الوسائل التي تستعملها شركات الأدوية العالمية لوأد الصناعة الدوائية في الخليج في مهدها، كان من علماء الأدوية العراقيين في مؤتمرات وزراء الصحة في الخليج. وكان خفض أسعار المضادات الحيوية في الخليج من قبل الشركات العالمية، ولو بسعر التكلفة بصورة أو بخسارة مؤقتة، أحد وسائلها لإجهاض الصناعة الخليجية. وكانت العراق قد قطعت شوطاً في الصناعة الدوائية وخاصة المضادات الحيوية للبكتيريا.
فعودة العراق إلى مجلس وزراء الصحة كما كان سابقاً أو مجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كما هو الحال اليوم، سيدعم مسيرتنا الصحية في الخليج ويقوي المجلس، ويعود بالنفع الصحي على مواطني الخليج جميعاً.
وإني أرى أن أهم البنود الدائمة على جداول مجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي سيدعمها ويقويها انضمام العراق ويعود بالنفع على الدول الخليجية

كلها بما فيها العراق ما يلي:
1ــ الشراء الموحد للأدوية: وهو من أهم ما أنجزته مؤتمرات وزراء الصحة لدول مجلس التعاون الخليجي. فانضمام العراق لنا سيزيد كميات الدواء المطلوبة مما يمنحنا قوة موحدة للحصول على أفضل الأنواع بتكاليف أقل.
2ـ الشراء الموحد لأجهزة المستشفيات: العراق مقبل على تأثيث مستشفياته فإذا كان القرار بأيدي العراقيين فإن العراق سيستفيد كثيراً من الخبرات الخليجية وبأسعار أفضل، لا للعراق فحسب بل لنا ايضاً، إذا كان شراء المعدات والأجهزة يتم بصورة موحدة كما هي الحال في مجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية حالياً.
3ـ التصنيع الخليجي للدواء: كان العراق دولة رائدة في هذا المجال سابقاً. ففي السنين الأولى ستستفيد الدول الخليجية الأعضاء التي أنشأت مصانع دوائية من تشجيع لمصانعها بالتصدير إلى العراق. ثم ستعم الفائدة عندما تعود وتتطور الصناعة الدوائية في العراق وخاصة إذا تمكنا في مجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من أن نتحكم في تخصصات المصانع الدوائية حتى لا تتنافس في صناعة أدوية متشابهة. وستؤمن لنا الصناعة الدوائية في الخليج الدواء الضروري حتى في أوقات الحروب. فعلى سبيل المثال واجهنا مشاكل خلال الشهرين الماضيين في وصول الأدوية المطلوبة سابقاً من الشركات العالمية بسبب الحرب الأخيرة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. وكادت بعض الأدوية أن تنفد من مخازننا لو استمرت الحرب مدة أطول. فلذلك كلما زادت أصناف الأدوية المصنعة محلياً في الخليج زاد الأمن الدوائي لنا.
أرجو الله أن يعين إخواننا في العراق على المشاكل الكثيرة التي يواجهونها اليوم وأهمها المشاكل الصحية العديدة التي تفاقمت. كما أرجو أن نتمكن جميعاً من مد يد العون لإخواننا العراقيين حتى يتجاوزوا محنتهم الحالية. وكلي أمل ورجاء في أن يكون العراق عضواً فعالاً معنا في منظومة مجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو أي تسمية أخرى يقرها قادتنافالمصلحة تحتم أن يكونوا معنا، لا لأسباب اقتصادية أو صحية فحسب ولكن أيضا لأسباب وطنية. فالعراق دولة عربية خليجية تشترك مع باقي الدول العربية في الخليج بمقومات تاريخية وقومية ودينية وثقافية كثيرة. وأكبر دليل على الانتماء إلى ثقافة واحدة ووطن واحد تلك الموروثات والتقاليد والعادات التي ما زالت شائعةً في العراق كما هي في الخليج، وقد تصل إلى التقارب اللغوي الذي يمس النفوس والقلوب والشعور بوحدة الانتماء. وصدق شاعر العراق الكبير ابن الرومي في بيت قد يردده الأخوة في العراق وبالأخص اليوم:
ولي وطنٌ آليتُ ألاّ أبيعَهُ
ولا
وألاّ أرى غيري له الدهرَ مالكا
لذلك يكاد الواحد منا أن يجزم بالقول لإخواننا العراقيين: إن لم تكونوا معنا اليوم فستكونون معنا بعون الله غداً. ولن نقول لهم أبداً "إذا لم تكونوا معنا فأنتم ضدنا".
|