|
أشرت في حديثك الى مفهوم التثقيف الصحي المعاصر. فما المقصود بهذا المفهوم؟
القاعدة ان الصحة هي منظومة شاملة لا تعني فقط الخلو من المرض، ولكنها تشمل حالة الاكتمال البدني والنفسي والاجتماعي والروحي، ويأتي التثقيف الصحي كأحد روافد الصحة بهذا المفهوم، لأن الوصول الى هذا المفهوم المتكامل للصحة لا يقع على عاتق جهات الرعاية الصحية وحدها، ولكنه يشمل مسؤولية الافراد عن تحقيق الصحة للجميع، ومن هنا فان التثقيف الصحي يساعد هؤلاء الافراد على تحمل مسؤوليتهم لتحقيق مفهوم الصحة بمعناها الواسع، وخلال السنوات الاخيرة تم الارتقاء بمفاهيم التثقيف الصحي والذي اصبح علما من علوم المعرفة يستخدم النظريات السلوكية والتربوية والاجتماعية واساليب التسويق الاجتماعي ومبادئ الاعلام والتعليم والاتصال للنهوض بالصحة وتحسين نوعية الحياة والتمتع بصحة جيدة ومن شأنه ان يمكن الافراد من تنمية قدراتهم البدنية والذهنية الى اقصى حد، ويسمح لهم بان يعيشوا حياة منتجة اجتماعيا واقتصاديا في انسجام مع بيئتهم.

ما هي الدواعي الصحية - الاجتماعية التي أفرزت المنظومة الجديدة للتثقيف الصحي عالميا؟
في ضوء الزيادات الكبيرة في الانفاق الطبي في السنوات الاخيرة لا سيما في البلدان الصناعية وبسبب القيود اللوجستية التي تحول دون توفير الرعاية الصحية الملائمة لأغلب سكان العالم، أولت منظمة الصحة العالمية التثقيف الصحي عناية خاصة فائقة، كما لم يكن من قبيل الصدفة ان الاستراتيجية العالمية لتوفير الصحة للجميع بحلول عام 2000 التي أعدتها منظمة الصحة العالمية في حينه، اشارت بصورة مستمرة الى الانشطة التثقيفية باعتبارها افضل السبل لتشجيع الناس من جميع الفئات على المشاركة في أنشطة الرعاية الصحية ولجعلهم القائمين الفعليين على امور الصحة والتنمية.
ومن هنا أخذ التثقيف الصحي يواكب هذه المفاهيم الحديثة وأخذ ينحو الى فهم احتياجات المجتمعات والافراد، ومساعدتهم على الوصول الى الاهداف التي يختارونها هم بانفسهم، بدلا من السعي (كما يفعل العديد من المهنيين الصحيين) الى ترغيب الناس فيما يعتقدون هم (أي المهنيين) ان الناس ينبغي ان يرغبوا فيه.
وحتى وقت قصير كان تعبير التثقيف الصحي في حد ذاته، يعني عملية نقل المعرفة الصحية الى الخارج والى الاسفل، بغرض توصيلها الى افراد يفترض ان لديهم افكارا محدودة عن كيفية تجنب اعتلال الصحة، وكيفية اتباع الطرق المناسبة للتغلب على المرض.
ونظرا للتطور الذي طرأ على التثقيف الصحي في العقود الماضية، ونظرا لتغير أنماط الامراض وتصاعد التطلعات الاجتماعية، وقيام نوع جديد من العلاقات بين افراد المجتمع والقائمين على توفير الرعاية الصحية.
تحول الاهتمام في مجال التثقيف من التدخل الى اشراك المجتمع.
الأمراض المزمنة الجديدة
وكيف تغيرت أنماط الامراض التي اشرت اليها سابقا؟
لقد شهدت العقود الماضية تغيرا جذريا في انماط الامراض وانتشارها بين افراد المجتمع من الامراض المعدية، الى الامراض المزمنة وبشكل خاص امراض القلب والشرايين والسكري والسرطان والحوادث، وستشهد العقود المقبلة تغيرات جذرية ايضا في حاجات افراد المجتمع، وستشكل هذه التغييرات تحديا كبيرا للأنظمة الصحية على كافة الاصعدة وخصوصا على صعيد وضع السياسات الملائمة الفعالة، وتأمين الموارد المالية والميزانيات المطلوبة للحد من انتشار هذه الامراض التي تعود في اسباب حدوثها وبالدرجة الاولى الى انماط حياتية وسلوكيات وممارسات غير صحية، ومن كل هذا نجد ان هناك حاجة وضرورة ملحة الى وجود ادارة مركزية فعالة للتثقيف الصحي تعمل على وضع الاستراتيجيات الصحية الوقائية في كافة ميادين التثقيف الصحي العامة، بدءا بالتثقيف الصحي المدرسي، ومن ثم التثقيف الصحي السريري الى التثقيف الصحي الجماهيري.

إعلام الأزمات
ينظر الى التثقيف الصحي في المجتمعات النامية على انه احد فروع ما يسمى باعلام الازمات، بمعنى ان جهود التثقيف الصحي تنتعش فقط في اوقات المناسبات الصحية المحلية او الدولية.. فكيف ترى هذه النظرة
هذه النظرة إلى أداء التثقيف الصحي في اوقات الازمات صحيحة الى حد بعيد، وهذا الاداء من رواسب تكتيك الاعلام الصاخب في وقت المناسبة، وهذا لا يؤثر على المعتقدات او السلوكيات والقيم للجمهور المستهدف بأي شكل من الاشكال. ولذلك فنحن ننادي بتبني شكل ومضمون جديد لرسالة التثقيف الصحي التي تهدف الى التغيير الاجتماعي، وخلق بيئة داعمة لاتخاذ القرار الصحيح، والتخلي عن المنهج الابوي في التعامل مع المتلقي، وإشراكه في البرامج الموجهة إليه بفعالية.
واشير هنا الى ثلاث حاجات ضرورية لعملية التثقيف الصحي للجمهور المستهدف وهي: المعلومات، والتعليمات، والتحفيز، فبعد ان نخلق الادراك والمعرفة بإعطاء المعلومات نبدأ مرحلة تالية وهي تعليمه المهارات اللازمة لمساعدته على تغيير اتجاهه بالشكل الذي نرغبه، أما التحفيز فيهدف الى مساعدة المتلقي على الاستمرار في النجاح الذي حققه بتغيير اتجاهه. كما يتعين ان نفرق بين ثلاثة انواع من متلقي الرسالة التثقيفية الصحية وهم: المتلقي المبكر، والمتوسط، والمتأخر، والفئة الاخيرة بحاجة الى مداخلات تركز على شعار: اذا سمعت نسيت، واذا شاهدت تذكرت، واذا فعلت تعلمت، فهم في حاجة الى المراحل الثلاث لعملية التثقيف الصحي وهي: المعلومات والتعليمات والتحفيز.
ما هي الاستراتيجية التي تراها مناسبة لبرامج التثقيف الصحي في قطر؟
من خلال التجارب المفيدة للتثقيف الصحي والتي اثبتت جدواها في مناطق كثيرة من العالم، نستطيع القول إن تخطيط برامج التثقيف الصحي يجب ان يعتمد على استراتيجية (الاعلام والتعليم والاتصال)، ويحتاج تخطيط استراتيجيات التثقيف الصحي على هذا النحو الى:
تحديد الاهداف طبقا للاولويات، وتحديد الجمهور وتجزئته طبقا للاهداف المرسومة، وتحديد التأثير المطلوب حسب الاهداف وطبيعة الجمهور، وتحديد العوامل المحيطة وفقا للتأثير المطلوب، وتحديد الانشطة الاعلامية التعليمية الاتصالية ونوعيتها وفقا للعوامل المحيطة، والتأثير المطلوب، ثم تحديد الركائز الاساسية لمضمون ومحتوى مواد الاعلام والتعليم والاتصال، ومن ثم اعداد الرسائل المناسبة، وتحديد القنوات المستخدمة بما فيها قنوات الاتصال والشبكات الاجتماعية الرسمية وغير الرسمية والقنوات الاخرى المناسبة، واخيرا اعداد مخطط الاستراتيجية.
وفي قطر فان قسم التثقيف الصحي يحتاج الى تشكيل نواة من المثقفين الصحيين المتميزين، يقومون بالتخطيط واعداد زملائهم في هذا المجال، كما يتعين البحث عن آلية شراكة بين الاعلام والتثقيف الصحي، واشراك القطاعات المعنية بفاعلية لتنفيذ خطط وبرامج التثقيف الصحي، ومن هذه الجهات: التربية والتعليم، والاوقاف، والشباب والرياضة، والمنظمات الاهلية والتطوعية.
|