في أعماق حبة الدواء

بقلم د. زكية مال الله

أجلس ساهمة وأتأمل حبة الدواء.. كبسولة او قرصا ابيض او ملونا واتخيل انني استقل مركبا وأبحر في اعماق الحبة. ما الذي أراه وما الشواطئ التي أرسو لديها وكم ميناء سأتوقف عنده وما عدد المسافرين معي وكيف احوال الطقس وأطوال المسافات وأغوص في متاهة البحث واستكشف اللآلئ المخبوءة وافكك رموز الالوان الممتزجة في قاع الحبة وأستخرج محطات للتفكر والانتظار.

محطة أولى

طفلة رضيعة ووجهها المشع بأنوار زاهية. ووجنتاها وردتان في صبح مشرق. لكنها تبدو حائرة ونحيلة الاطراف وذات حاجبين متلاصقين وفي عينيها الممطوطتين بريق كاذب. الطفلة ساكنة سارحة وتنثر ألعابها او تستجمعها في حقيبة تحملها فوق كتفيها وتجلس بصمت تقضم قطعة الشوكولاته وتحدق في زميلاتها ببلاهة. الطفلة مصابة بالتوحد والحالة لديها تشكل عائقا يمنعها من اجتياز الاسوار التي تفصلها عن عتبات البهجة وتحذفها خارج فناء الشعور ببراءة الطفولة وتسكنها في غرف اللا وعي والاحتياج للآخرين.

محطة ثانية

امرأة تجاوزت العقد الخامس من العمر وتمدد جسدها فوق اريكة خشبية مغطاة بفراش لين. وتختلس النظرات بين الفينة والاخرى لزجاجات الاشربة والحقن الموضوعة قربها لتقهر القلق الذي يحاصر مشاعرها وتطمئن لشرايين الحياة المتدفقة جوف عروقها.

وقروح تتشبث بالهيكل العظمي وتشرئب بأعناقها عبر الكتل الدموية التي تجمدت على مجاري العروق الغائرة طيّ الجلد المتجعد. العجوز ترقب عقارب الساعة وتتجرع كأس الماء التي تآكلت حوافها من كثرة الفراغ والامتلاء ومازال النهار قائما واصوات العصافير تنقر زجاج النافذة وتصر على التسلل عبر فتحات الابواب المواربة والحقنة جاهزة وشريط التحليل ينبئ بارتفاع معدل السكر بالدم وبعض الحساء الساخن قد يطفئ رهبة الخوف ويخفف من وهج الانكسار.

محطة ثالثة

كم مرة قررت ان تعتزل الآخرين وتمكث في وحدتها واغترابها. وكم حاولت ان تقتلع الاسوار المتاخمة حولها ولم تتمكن من ذلك وكل من يعرفونها يدركون انها فتاة مثالية ولكن اشياء غامضة تحتشد في ضلوعها وتحشد فوق أحاسيسها اطنان الغيوم وتعبئ آفاقها بعتمة لا متناهية. الاكتئاب ذاك هو القرين الذي يلازمها ليلا ونهارا ولا سبيل الا الهروب الى فضاءات اكثر عتمة وانطفاء. وما جدوى حبة الدواء وهي تمضي الساعات حيث تأذن لها العقارب ان تمضي وتتعلق بذوائب الدقائق وتسترسل في جنوح الثواني. وهتافاتها التي يخنقها حبل الكتمان ورغباتها الصرعى فوق ساحات الترصد. هناك من يدركون السر ويعرفون انها تقاوم الاكتئاب منذ عشرين عاما ومازالت ترسم كل صباح قلبا ووردة حمراء على كراسة مذكراتها الخاصة ربما ينبض القلب بيوم وتتفتح الوردة.