في أعماق حبة الدواء


د. زكيــــــــة علي مــــــال اللـــه
رئيسة وحدة الابحاث ومركز المعلومات
إدارة الصيدلة والرقابة الدوائية
شــــــــــــــاعرة - كاتبـــــــــــــــــــة عضو المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث

 

أجلس ساهمة وأتأمل حبة الدواء.. كبسولة او قرصا ابيض او ملونا واتخيل انني استقل مركبا وأبحر في اعماق الحبة. ما الذي أراه وما الشواطئ التي أرسو لديها وكم ميناء سأتوقف عنده وما عدد المسافرين معي وكيف احوال الطقس وأطوال المسافات وأغوص في متاهة البحث واستكشف اللآلئ المخبوءة وافكك رموز الالوان الممتزجة في قاع الحبة وأستخرج محطات للتفكر والانتظار.

استنتاج

التحمت الساعة مع قرص الشمس ومزيج الالوان بدا اشد حمرة من الشفق وها هي ذي خلجات النفس تذوب وتتحلل في صفوف المحطات وتصبغ حواشي الروح بمشاعر مبهمة واحاسيس مؤرقة. فاحتمل حبة الدواء في حقيبتي واسير الهوينى الى ظل شجرة وارفة وأجلس كما بدأت وأغوص في متون الحبة وأتساءل من اودع التركيب الكيميائي القدرة على اجتياز تراكيب الجسد الآدمي والاتحاد بالعناصر البشرية والالتئام مع عروق النفس ودماء الحياة؟ وكيف يمكن لبضعة الذرات المصنعة ان تتشكل مربعات ودوائر لتعيد تشكيل المشاعر الانسانية وتضبط مواضع الوهن بها؟ وهل الحبة كائن حيوي كيميائي أوجده الخالق ليتغلغل في مكنون الانسان ويساعده على الاحتفاظ بقوته والعيش بأمان؟

وصول

الآن وقد حان المغيب وهبط الليل ومازلت اذرع الشاطئ الموازي ذهابا وايابا، واترك الحقيبة وأطرح حبة الدواء بعيدا وأتوحد بالظلمة وأرى بصيصا من الضوء يلمع حول اطراف الحبة وكأنها نجمة سقطت على الارض واستقرت في احضان الحبة فأعود اليها واحتويها واسترجع النوايا للغوص الى أعماق اكثر دفئا وعطاء. الحبة عاجزة عن البوح. والصمت معيار التحدي وفلول الوقت تجتمع حول حوائط الحبة وتتسلق الجدران بحرية، وتنثر في الجو غيوم ممطرة وسحاب اسود. الحبة تقف مذهولة امام صنع الخالق والطفلة والفتاة والعجوز يتحينون الفرصة لتحية الحبة واسداء عبارات الشكر اليها والتقدير. ومن الشافي سبحانه وتعالى ام الانسان ام الحبة. الشمس في هذيانها والالوان تزداد تحللا في تركيب العناصر والذرات ومركبات جديدة تتخلف بأحشاء الحبة وترصد امراضا اخرى وأناسا جددا.

ارتقاء

المنايا قدر والحياة فلسفة العبادة والله الرجاء والمؤمل، وفي اعماق الحبة ترقد آلاف الآمال للشفاء والعافية. والدعاء الوسيلة المثلى للارتقاء بالنفس لأعلى مراتب الصحة. وكم من الحبوب تلاشت في امعاء المعلولين ولم يرصد لها مفعول علاجي وكم ارواح فارقت اجسادها وبقيت التراكيب الكيميائية رواسب شاهدة على هزيمة الارادة البشرية. وها الحبة وسيلة السفينة للعبور الى شواطئ اكثر سلامة. وقد تصل او تعصف بها ريحٌ او تصرعها امواج عاتية او تغرق او تتحلل وتطفو الالوان على محيط المياه تعيد للاذهان قصص العديد من الموتى الذين داهمتهم العواصف وابتلعت الحيتان اشلاءهم ولا ييأس الانسان ابدا من اعادة تراكيب الحبة وصياغة العقارات الاكثر فعالية مادامت هناك عقول تفكر وأناس يتأملون وأحداث تتوالى.

مداواة

ومثلما يشتد الوله للحبة وتلامس مركباتها مواضع الالم وتفرح لمقدمها الجروح تنتظم الكلمات في عقدها الفيروز وتصطف على محيط القلادة مبشرة باختفاء الأسى ومداواة المعاناة.
واذا بالقصيدة تتزين بملامح الحبة وتنشر ظلالها فوق سفوح الاستطباب وتنتفض النفس من خوائها، كما هو الجسد حين يمتص مكونات الحبة. وكلاهما القصيدة والحبة تجتهدان في تصفية الروح ومعافاة الجسد مما يعتريهما من حملات الاوبئة وعنف الأوجاع. ولكل من يسابقون الخطو الى مواطئ الاستشفاء اهدي هذه التراكيب المنظومة والعناصر القولية ربما تبدو كحبة الدواء وتتحلل في خلايا الحس، وانسجة الوحدات، وتذوب، وتتلاشى وتطفو على محيطات النفس ألوان براقة من المشاعر بالحيوية والبهجة والانشراح.

خطوات

خطونا إليك
نمجد في الشمس ألواننا
نحني الرؤوس لحرث الفؤوس
نبذر في الارض صفصافة
فهل حان وقت الحصاد
ومافي الصدور شروخٌ
وما في الضلوع كسور

سألناك يا من تثير المواسم
تنثر حب الحمام علينا
فتنقرنا الصقور
ويا من تكمم افواهنا بالسلاسل
ندعوك رفقاً
وخلف القلوب السيوف
وبين الحلوق الحناجر

تسوق الودائع
تختمنا بالشموع
نهبّ نذوِّبُ النهايات
ونرتاد أغوارنا