لقاح السرطان

حقيقة بين الواقع و الآمال

 كان للنجاح الكبير الذي حققته الأمصال في مكافحة العديد من الأمراض الفيروسية والبكتيرية مثل شلل الأطفال والحصبة والدرن والقضاء نهائياً على أمراض أخرى مثل الجدري، كان لهذا النجاح تأثير يداعب خيال العلماء والباحثين في مجال السرطان. وتقوم فكرة اللقاح أساساً على تقوية الجهاز المناعي للجسم بحيث يمكن التعرف على أي إصابة غريبة تلحق بالجسم فيقوم بمقاومتها إما عن طريق تكوين أجسام مضادة تكون سابحة مع الدم (السيرم) أو أن تتجهز خلايا الدم المناعية ذاتها بحيث تقوم بمهاجمة تلك الأجسام الغريبة مباشرة وتقضي عليها. وقد بدأت فكرة الاعتماد على الجهاز المناعي في هذا المجال منذ وقت بعيد (حوالي مائة عام) عندما لاحظ أحد الجراحين أن المرضى الذين أجريت لهم عمليات جراحية لإزالة أورام سرطانية وأصيبوا بالحمى نتيجة التهابات جرثومية بعد العملية كانوا أكثر مقاومة وكانت حالتهم أفضل من المرضى الذين لم يصابوا بأي التهابات جرثومية أو ميكروبية أو حمى فاستنتج من ذلك أن الإصابة الجرثومية ربما تكون قد ساعدت على تقوية وتنشيط الجهاز المناعي الذي أصبح أكثر مقاومة لأي خلايا سرطانية ارتجعت بعد ذلك!! وقد بدأت المحاولات كالعادة بطريقة بسيطة للغاية عن طريق تجهيز خلايا سرطانية من المرضى أنفسهم وخلطها بلقاح الدرن ثم إعادة حقنها في المرضى، ولحسن الحظ فقد صادفت هذه المحاولات نجاحات محدودة في المرضى المصابين بسرطانات مثل سرطان الجلد والكلى وهي في العادة من الأنواع السرطانية المقاومة للعلاج بالطرق التقليدية. ثم بدأ الباحثون يفكرون بطريقة أكثر فاعلية عن طريق التدخل المباشر وتنمية الخلايا المناعية في الجسم ذاته (CD4,CD8) T-CELL، وذلك بزيادة تعريف هذه الخلايا بأن هناك أنتيجينات غريبة في الخلايا السرطانية، حيث تتعرف الخلايا المناعية على هذه الأنتيجينات وتهاجمها وتقضي عليها وتتم عملية التعريف أو التنشيط المناعي وكذلك زيادة عدد الخلايا المناعية المنشطة خارج الجسم ثم يعاد حقنها داخل جسم المريض لتقوم بالوظيفة التي أعدت لها وتبدأ في مهاجمة والتهام الخلايا السرطانية. وحجر الزاوية في هذه المسألة هو التعرف على (TAA) Tumoy Associated Amtigen أو الأنتيجين المصاحب للورم وفصله حتى يمكن تنشيط الجهاز المناعي ضده. وهناك خلايا معينة تقوم بتقديم هذا الـ TAA إلى الخلايا المناعية لتنشيطها ضدّهُ وتسمى هذه الخلايا (APCS) AMTIGEN PRESENTING CELLS. وتعتبر مسألة التعرف على الـ TAA الـ APCS هي الخطوة الأساسية في نجاح تصميم أي لقاح. ويبرز هنا سؤال لماذا لم تتعرف الخلايا المناعية على الخلايا السرطانية أثناء مراحل تكونها وتقوم بتدميرها؟؟ الحقيقة أن الجهاز المناعي عندما يبدأ في التعرف على أنتيجين جديد على مدى فترة طويلة (هي فترة تكون الخلايا السرطانية) فإن استجابة الخلايا المناعية في هذه الحالة ربما تكون التعود أو التجاهل أو الاضطراب وربما الدخول في حالة من حالات التدمير الذاتي بدلاً من النشاط ومهاجمة الخلايا السرطانية، وإذا أضفنا إلى ذلك أن معظم الخلايا السرطانية تنمو في ظروف يتميز فيها الجهاز المناعي بالضعف يسهل لنا الإجابة على هذا السؤال وفهم طبيعة تعامل الجهاز المناعي في مثل هذه الظروف. وتسمح التقنيات الجديدة بتصميم أنتيجينات يمكن للخلايا المناعية التعرف عليها وبالتالي تصبح مهاجمة الخلايا المناعية للأورام التي تحمل هذه الأنتيجينات (وبالتالي القضاء عليها). وتختلف طرق إعداد أو تصميم اللقاحات المقاومة للسرطان اختلافات كبيرة للغاية فمنها ما يعتمد على التنشيط المباشر للخلايا المناعية T-cell ضد الخلايا السرطانية باستخدام الهندسة الوراثية ثم العمل على استخدام الأورام السرطانية ذاتها كمصدر لتنشيط الجهاز المناعي ذاته والمشكلة هي أنه في كثير من الحالات يتميز الورم بعدم التجانس بين خلايا الورم ذاته (MULTI - CLONES) وبذلك فإذا نجحنا في تكوين خلايا مناعية ضد مجموعة معينة من الخلايا فمن الصعب أن ينطبق ذلك على بقية الخلايا، والمشكلة الأصعب هي أن كل مريض يحتاج إلى تصميم لقاح خاص يتناسب مع الورم الذي تكون داخله وهذه مسألة معقدة فضلاً عن كونها عالية التكلفة للغاية. وهناك أيضاً بعض التصميمات للقاحات سرطانية تعتمد على الـ DNA المصاحب للورم أو الفيروس الذي يلازم الورم في بعض الحالات (مثل سرطان عنق الرحم) أو تصميم اللقاح ضد البروتين الأكثر مصاحبة لسرطان معين وتعد هذه من أكثر الطرق شيوعاً الآن. وقد كان للنتائج المبهرة التي حققها فريق من العلماء الألمان ثورة بحق في هذا المجال حيث استخدموا هذه الخلايا بعد تجهيزها ضد أنتيجينات مميزة لسرطان الكلى وقد أوضحوا أن أربعة من بين سبعة مرضى حققوا شفاءً ملحوظاً، وهي نتائج غاية في الأهمية إذا أخذ في الاعتبار أن سرطان الكلى من أكثر أنواع السرطانات مقاومة للعلاج التقليدي. ورغم هذه النتائج المشجعة للغاية فلا زالت هناك عقبات كبيرة على الطريق : أولها : أن من طبيعة الخلايا السرطانية التغيير المستمر في الكود الوراثي لها وبالتالي تتفادى تعرف الجهاز المناعي عليها ومهاجمتها، وربما كان الحل في مثل هذه الحالة هو تصميم لقاح يتميز بأنه غير كود بأنتيجين معين أو يمكن التعبير بأكثر من أنتيجين معين وهناك حل آخر يتمثل في محاولة علاج المرضى في مراحل مبكرة من المرض حيث أن من المعروف أنه كلما تقدم المرض أصبحت الخلايا السرطانية أكثر تنوعاً ومقاومتها أكثر تعقيداً. ولا يزال هناك الحل الأكثر واقعية وهو استخدام العلاج التقليدي (الجراحة - العلاج الكيماوي - العلاج الإشعاعي - الهرمونات) كخطوة أولى ثم يتبقى العلاج باللقاح للخلايا التي استطاعت مقاومة هذه الوسائل وعادة ما تكون أعدادها أقل عنها قبل بدء العلاج التقليدي والخلاصة أن الطريق ما يزال طويلاً وشاقاً ومحفوفاً بالمصاعب ولكنه مع ذلك مليءٌ بالآمال في شفاء أكثر الأمراض صعوبة على الفهم وتحدياً لصحة الإنسان، ولكن يبقى الأمل هو الدافع وراء كفاح العلماء في كل أنحاء المعمورة.

د.السلام إسماعيل
استاذ مشارك بتخصص الأورام
طب الإسكندرية_مصر