دوافع المعاملة الحسنة مع الناس


للدكتور عبدالله الخاطر (رحمه الله)

تختلف الدوافع باختلاف عقائد الناس ونظرتهم للحياة، فدوافع الشخص المسلم الصادق تختلف عن المسلم الذي قد تكون دوافعه مصلحية -يصدق معك، يكون باشاً في وجهك، يكون وفياً للموعد معك، فيأتي في الوقت المحدد- ويكون الدافع لذلك كله المصلحة الشخصية التي يحتاجها، أو يكون الدافع الخوف من المضرة أو العقاب. فقد يكون الإنسان أميناً لا يسرق بدافع الخوف من الرقابة الخارجية، ويحلو للبعض أن يتحدث بإعجاب عن الأمانة في أمريكا، لكن عندما تذهب الرقابة الخارجية فإن الأخلاق الحقيقية تظهر. وإليكم هذا المثل: توقفت الكهرباء لمدة ثماني ساعات في إحدى الولايات الأمريكية، وكانت حادثة مشهورة، إذ سُجلت فيها أكثر من خمسة آلاف سرقة في هذه الولاية فقط، لأن الكاميرات التي كانت تراقب الناس توقفت، فأصبح من السهل على الإنسان أن يحمل سريراً من محلات الأثاث ويخرج به دون أن تراقبه آلة أو إنسان. أ ما المسلم فتحركه دوافع أخرى...


أولاً : أن يكون من خير الناس أو خيرهم:

فالمسلم يبحث عن رضا الله ومحبته، وأن يحقق الخيرية في نفسه، ويكون من خير الناس أو خيرهم يقول الرسول [ : »خير الناس أحسنهم خلقاً«، وهو يبحث عن الأجر العظيم الذي يحصل من الأخلاق الطيبة، والمسلم لا يكون حسن الخلق لكي يكسب مصلحة، إنما يفعل ذلك ليكسب رضا الله -سبحانه وتعالى- وهنا تستمر الأخلاق الحسنة، سواء رضي الناس أم لم يرضوا، تحسنت العلاقة أم لم تتحسن، كُسب الوُد أم لم يكسب، فالأجر ثابت على أية حالة، وهذا هو ضمان الاستمرارية، قال [: »إن الرجل ليُدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل وصائم النهار، وهذا الخلق الطيب صفة من صفات المؤمنين، يقول الرسول [ : »المؤمن يألف ويُؤلَف. ولا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف. وخير الناس أنفعهم للناس«.


ثانياً: الأخلاق الحسنة مأمورُ بها:

إن الله -سبحانه وتعالى- أمرنا بأن نلتزم الحكمة في التعامل مع الناس، وهذا عين العقل، يقول الله -عز وجل-: ادْعُ إلى سَبيلِ رَبكَ بالحِكْمةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجادِلْهُم بالَّتي هيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عن سَبيلِهِ وَهُو أَعلمُ بالمُهْتَدينَ(سورة النحل/125)، الموعظة الحسنة هي محتوى الكلام الذي يدعو إلى شيء طيب. ولكن ما هي الحكمة؟ الحكمة هي : الطريقة التي يعرض بها الإنسان ما عنده من أفكار ومن أحكام. وقد وصف الله سبحانه وتعالى رسوله [ بأنه كان لين الجانب، وهو إن لم يكن كذلك لخسر الناس ولا نفضوا من حوله وهم الصحابة وهو الرسول [، فلم يقل [ : من أراد فليأت، ومن لم يرد فلا يهمنا أمره، إنما كان حريصاً عليهم. يقول الله سبحانه وتعالى: فَبِما رَحْمَةٍ من الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَليظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ(آل عمران/159). أي لو كنت يا محمد، يا رسول الله فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعْفُ عَنْهُمْ واستَغْفِرْ لَهُم وشَاوِرْهُمْ في الأَمْرِ، فإن من وسائل المعاملة الحسنة: أن تعفو عنهم، تستغفر لهم، تشاورهم في الأمر: أي أن تتجاوز عن الأخطاء وتغض الطرف عنها وتستغفر لهم فتلك وسيلة من وسائل تشجيعهم، وتنمية السلوك الطيب فيهم. وتشاورهم في الأمر أي: تحترم رأيهم، وتقدرهم، وتعطيهم شيئاً من القيمة عندما تتعامل معهم، فما أسهل الناس وأنت تشاورهم، وما أقربهم منك وأنت تقدرهم.
يقول ميمون بن مهران: »التودد إلى الناس نصف العقل«. والذي يتودد إلى الناس يعتبر مسلكه هذا نصف العقل، ولكن بشرط أن يكون ودوداً عاقلاً. وكما قلت: الأخلاق التي يتجمَّل بها أصحابها لأغراض معينة إن لم تكن طيبة الدوافع فإنها تتلاشى عندما تنتهي تلك الأغراض أو تستحيل، فقد يتعامل الضباط مع رئيسهم -اللواء أو الفريق- معاملة طيبة: يزورونه وقت الأعياد، ويهنئونه عند الأفراح، ويعزونه وقت الأحزان، وعندما يتقاعد فلا يزورونه ولا يلتقون به، وتلك العلاقة لو كان الدافع إليها طيباً لاستمرت ونمت، وَلعُرف لصاحب الفضل فضله، ولزَار هؤلاء قائدهم كما كانوا يزورونه قبل التقاعد، وكذلك الحال مع أي مسؤول في جهة من الجهات، ترى الناس يتسابقون إليه في وقت المصلحة، وأما عندما يعفى من منصبه فإنهم يتحدثون في عرضه ويسيئون إليه! فإذا أردت أن تعرف هؤلاء الناس فاعرفهم بعد أن يترك صاحب المنصب منصبه.


ضوابط الأخلاق الحسنة

وكما أن للأخلاق الحسنة دوافع، فإن لها أيضاً ضوابط تضبطها، والضابط فيها يحدده الشرع، ولا نحدده نحن بعقولنا ولا من تلقاء أنفسنا. فالسلوك المحرَّم لا يجوز فعله، والسلوك الواجب لا مجال لتركه، كبرِّ الوالدين، وصلة الأرحام، كل ذلك لا بد منه ولكن الحديث هنا عن السلوك المستحب الذي يجب الحرص عليه ما أمكن، لا يقال هذا سنة أو مستحب، والسنة خير على كل حال، ولا سيما إذا ترتب على فعلها أن يكون المجتمع طيباً ومترابطاً، هذا خير، ويجب ألا نحصر الأمور في التعامل مع الناس في دائرة : »يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها«، وما سنها الرسول [ إلا وهي خير لنا. »لو جاء مدير -مسؤول لك- وقال : الأفضل أن تفعل كذا في وظيفتك لقُلتَ: نعم، وحرصت على أن تفعلها، لأنك ترى أنه أقدر منك وأكثر خبرة«. فكيف إذا كان الذي يدل على الأفضل هو رسول الله ـ[؟ وليس الحديث عن أشياء يستوي فعلها مع عدم فعلها، ولكن الذي يعنينا في هذا المقام هو التدريب على تلك الأشياء بصورة طيبة كوسيلة للإصلاح والخير. فالمهم هو التدريب على القضايا وليس على تفصيل القضايا من حيث الإباحة والجواز والاستحباب.