مسؤولية الطبيب الجنائية المترتبة على إفشاء السر المهني

 


طارق صلاح الدين محمد
خبير قانوني ـ وزارة الصحة العامة

أركان جريمة إفشاء السر الطبي

الركن الأول : (السر الطبي)

الركن الثاني : فعل الإفشاء:

أركان جريمة إفشاء السر الطبي


جريمة إفشاء السر الطبي تقوم على أربعة أركان :

الركن الأول : السر الطبي.
الركن الثاني : المادي، وهو فعل الإفشاء.
الركن الثالث: أن يكون المفشي أميناً على السر.
الركن الرابع : المعنوي (القصد الجنائي).

الركن الأول : (السر الطبي)


من أهم الأركان المكونة لجريمة إفشاء السر الطبي:

أـ أن يكون ما تم إفشاؤه سراً، ويتوافر هذا الشرط يمكن أن تتحقق مسؤولية الطبيب الجنائية، وتكمن الصعوبة في تعريف السر الطبي، فاختلفت الآراء وتعددت، وعلى الرغم من تعدد التعريفات في هذا الصدد، فإن الأمر برمته يمكن إخضاعه للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع، ليحدد من خلال الوقائع إذا كانت واقعة معينة تعد إفشاء للسر أم هي من قبيل الوقائع العادية؟ وفي ذلك تقول محكمة النقض المصرية في قرار لها سنة 1942 (إن القانون لم يبين معنى السر، وترك الأمر لتقدير القضاة، فوجب أن يرجع في ذلك إلى العرف وظروف كل حادثة على انفرادها، وإنه بالنسبة إلى ظروف الحادث موضوع الدعوى، فقد جرى العرف على أن مرض الزهري والسل هما المرضان اللذان يجب على الطبيب إلا يفشي سرهما، أما مرض البواسير فهو لا يعتبر سراً خصوصاً إذا كان المريض به من الرجال). وفي تصورنا أن هذه التفرقة غير دقيقة، حيث يتعين في مثل هذه الحالات أن تضع المحكمة في اعتبارها التقدير الشخصي للمريض، فهو صاحب الحق في تقدير آثار إفشاء مرضه أو حجبه، فنظرة المريض لنوع معين من المرض تختلف من مريض لآخر، فمثلاً مريض العقم قد يتعامل مع هذا المرض بأنه أمر عادي، وأنها مشيئة الله إلا أن مريضاً آخر يعتبر من الأ مور التي تنال من رجولته، وتجعله موضع ازدراء، ولذلك يكون حريصاً على كتمان مرضه عن العامة، وعلى هذا النحو سار القضاء المصري في وقت لاحق، وجاء في قرار محكمة النقض المصرية رقم 2349 لسنة 1946 أن جميع الأمراض سرية مهما كانت طبيعتها، فهي من العورات التي يجب سترها ولو كانت صحيحة، لما يترتب على إفشائها من إساءة للمرضى وإضرار بمصالحهم. فالسر الطبي هو كل أمر حدث بعلم الطبيب، سواء أفضى به إليه المريض أو غيره، أو علم به نتيجة الفحص أو التشخيص أثناءممارسته لمهنته وكان للمريض أو لأسرته أو الغير مصلحة مشروعة في كتمانه.

السر الطبي هو الذي يعلمه الطبيب بإدارة المريض أو أثناء التشخيص و كان للمريض و لأسرته مصلحة مشروعة في كتمانه

والسر الطبي لا يقتصر على المعلومات الخاصة بنوع المرض أو الإصابة التي يعاني منها المريض أو العلاج، إنما يشتمل على كل ما يتصل بالعمل الطبي من فحص وتشخيص، كإجراء التشخيص بالأشعات وغيرها، أما المعلومات والبيانات التي تتعلق بالعمل الطبي ذاته، فلا يضفي عليها المشرع صفة السر، ومن ثم لا تعد من قبيل الأسرار الطبية مثل أسعار الخدمات المقدمة للمريض، ويجري العرف على اعتبار بعض الأمراض من قبيل الأمراض التي لا يجوز إفشاء سرها، ومن أمثلة هذه الأمراض البرص، الجذام والزهري والسيلان، وهي التي يطلق عليها الأمراض المعدية أو السرية، كذلك العقم عند الرجال، والمرأة -في تقديرنا- يعتبر من الأمراض التي لا يجوز إفشاء سرها إذ أن إفشاءها ينال من رجولة الرجل، ويخدش حياء المرأة، ووصف السر يتوقف على نظرة المريض إليه، بغض النظر عما يراه الطبيب، فالمريض هو صاحب السر، وهو الذي يمكنه تقدير آثار إفشائه أو إمساكه. وحول تعيين نطاق السر فقد انقسم الفقهاء إلى فريقين فمنهم من أخذ بنظرية إيداع الثقة والائتمان، ومنهم من أخذ بنظرية الأسرار بطبيعتها، وقد استقر الفقه الأجنبي على الأخذ بنظرية الأسرار بطبيعتها منذ الحكم في قضية الدكتورة (واتليه watele-) سنة ،1884 وهو الحكم الذي أدانت به المحكمة الطبيب (واتليه) الذي نشر تصحيحاً في إحدى الصحف رداً على مقال كان قد نشر يشير إلى وفاة الرسام العالمي (باستيان ليباج) بمرض الزهري، وأن الطبيب الذي عالجه كان قد ارتكب خطأ في علاجه، فنصحه بالسفر إلى الجزائر كي يموت هناك، ويتخلص من المسؤولية، فما كان من الطبيب (واتليه) إلا أن نشر تصحيحاً أو رداً على ذلك المقال جاء فيه أن (ليباج) مصاب بالسرطان وليس بالزهري، وقد جاء في قرار محكمة النقض الفرنسية: أنه وإن لم يثبت في حق المتهم قصد الإضرار إلا أن نص المادة (378) عام ومطلق، ويعاقب كل إفشاء للسر المهني ، فالمشرع هو من فرض الالتزام بالسر الطبي على بعض الأشخاص تأكيداً للثقة المفروضة في ممارسة بعض المهن .... ولا حجاج بما يدعيه من معرفة هذا المرض لدى البعض، فقد كشف المتهم للجمهور مجموعة من الوقائع السرية، بحسب طبيعتها، ولم يعلم بها إلا بسبب مهنته، ومن ثم قضت برفض الطعن، وتأييد إدانته. ويجب أن يكون للسر صلة بالمهنة التي يمارسها المتهم، وقد حكمت المحاكم الفرنسية بأنه إذا استدعى طبيب لزيارة مريضة في منزله، فشاهد أثناء ذلك ابن المريض يرتكب جريمة الزنا، أو سمع عرضاً محادثة عن ارتكاب جريمة قتل، فهو لا يلتزم بالكتمان إذ ليس لهذه الوقائع الصفة الطبية المهنية التي تفرض عليه واجب الكتمان.

فقهاء الشريعة يوجبون على الطبيب الكشف عن سر المريض , الذي يترتب على إخفائه ظهور المفسدة 


ويرى فقهاء الشريعة الإسلامية أن الواجب على الطبيب حين يعلم من المريض شيئاً يترتب على عدم الكشف عنه إظهار المفسدة أن يكشف الستر عنه ويظهره بالقدر الذي تندفع به هذه المفسدة، لأن الضرر لا يجوز أن يزال بمثله، ويكون ذلك في حالة لجوء المريض إلى الطبيب لعلاجه، وعلم الطبيب أن هذا المريض مطلوب من المحاكم في قضيه، وعلم الطبيب أن المريض ليس مظلوماً فيها، ففي هذه الحالة يلزم الطبيب أ ن يبلغ عنه، وألا يسعفه بالعلاج حتى لا يتمكن من الهروب، إذ لو هرب لترتب على ذلك أن يكون الطبيب هو المتسبب في هروبه، ويلزمه ضمان مفاسده وأضراره.

 

السر الطبي لا يقتصر على إفشاء نوع المرض أو علاجه ، لكنه يشمل كل الأمور المتصلة بالعمل الطبي 

الركن الثاني : فعل الإفشاء:


ويمثل فعل الإفشاء الركن المادي لجريمة إفشاء السر الطبي، والإفشاء هو كشف السر الطبي، وإطلاع الغير عليه بأي وسيلة كانت، مع تحديد الشخص صاحب المصلحة في كتمانه. ولم يحدد لمشرع وسيلة معينة من شأنها أن تحقق فعل الإفشاء، فيتحقق الإفشاء وهو الانتشار إذا أعلن السر بأي طريقه كانت، سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر شفاهة أو كتابة، وقد يكون الإفشاء بالنشر في الصحف والمجلات أو الرسائل الخاصة أو شهادات طبية للغير بحالة المريض. ولا يجوز الإفشاء ولو بواقعة أصبحت معروفة لدى الناس، وأن تكرار الإفضاء بالسر لا ينزع عنه صفة السرية، بل يظل الإفشاء معاقباً عليه مهما تكرر، كما أن سبق الإفشاء لايرفع عنه صفته، ذلك أن إفشاء السر مرة لا يحول دون تبليغه مرة أخرى.