الـــــــكي

آخر مراحل العلاج

منذ القدم، شعر الإنسان أن حاسة اللمس من خلال الجلد، تحتل أكبر مساحة في جسمه، وهي من أهم الحواس التي تفصل ما بينه وبين محيطه الخارجي، وعندما عرفت فوائد الكي، وتبلورت العلاقة ما بين المحتوى الداخلي والخارجي للجسم، راح الإنسان يستخدم هذه الوسيلة لعلاج بعض الأمراض بطرق أولية، تعتمد على مبدأ تسخين الحديد بالنار لدرجة الاحمرار، ومن ثم كي الجروح لقطع النزيف الدموي، أو كي المناطق المريضة، وذلك حسب نوعها ومكانها ودرجتها.
ومع تقدم الزمن وتطور العلم والطب الحديث، تطورت أدوات ووسائل الكي، وتنوعت مجالات استخدامه، وظهرت الكهرباء بدل النار، وعرفت أشعة الليزر كإنجاز علمي كبير، يساعد في كي أصغر المساحات في الجسم كافة والتي، تعجز عنها الوسائل الأخرى.

الكيّ في الماضي:

الكيّ عند العرب: 

الكي في الطب الإسلامي: 

أنواع الكيّ: 

الكيّ التقليدي الشعبي: 

الخلاصة:

الكيّ في الماضي:


قبل آلاف السنين، كان الكي معروفاً لدى معظم الحضارات البشرية القديمة، حيث استخدمته الحضارة الإغريقية والرومانية والهندية، كوسيلة من وسائل علاج بعض الأمراض المتنوعة، كما اعتمدت عليه الحضارة الصينية لبناء نظريتها المتمثلة بالعلاج عن طريق الوخز بالإبر، والتي أهملها الطب الصيني لفترة طويلة من الزمن، ثم عادت وانتشرت مرة أخرى بعد قيام الثورة.
وقديماً قال -هيبوقراط- أشهر أطباء اليونان في عصره آنذاك: والذي توفي عام 277 ق.م: "بأن الأمراض إذا كانت لا تشفيها الأدوية، فالجراحة علاجها، وإذا لم تفد فيها الجراحة، فالنار علاجها، وإذا لم تستطع النار علاجها، فهي غير قابلة للشفاء".
كما أن تعاليم الطبيب اليوناني -جالينوس- الذي عاش في روما من 201-130ق.م، كان لها الأثر الكبير في موضوع قطع النزيف الدموي بالكي، وقد ظل الأطباء القدامى يعملون بتعاليم -جالينوس- لمدة خمسة عشر قرناً، حتى جاء الجراح الفرنسي -باري- "1510-1590"م، فدعا إلى ربط الوعاء الدموي المقطوع بدلاً من كيه، ثم عادت مسألة استخدام الكي مرة أخرى على يد الجراح الأمريكي -كوشينج- 1854-1934م، حيث اعتمد على الكي مجدداً، ولاسيما في قطع نزيف الأوعية الدموية الدقيقة.

الكيّ عند العرب: 


ومثلما اهتمت الحضارات البشرية بالكي منذ القدم، كذلك اهتم به العرب قبل الإسلام اهتماماً كبيراً، وقد غالى سكان البادية في هذا الموضوع كثيراً حتى أنهم كانوا يعتمدون على الكي، ليس لإيقاف النزيف في الأوعية الدموية المقطوعة فحسب، بل في معظم الأمراض التي كانت تصيبها، وذلك إلى جانب اهتمامهم "بالفصد" والمعالجة بالنباتات الطبية المتنوعة، وعند بزوغ فجر الإسلام سمح النبي الأعظم [ بالكي كدواء إذا ما وافق الداء -أي كان له استطباب علمي- وقد جاء في صحيح البخاري: عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس عن النبي [ أنه قال: الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي.
كذلك ثبت في الصحيح -من حديث جابر بن عبدالله: »أن النبي [ بعث إلى أُبي ابن كعب طبيباً فقطع له عرقاً، وكواه عليه »كما أن سعد بن معاذ عندما رمى في أكحله ذات مرة، حسمه النبي [ ثم ورمت فحسمت ثانية، والحسم هو الكي.
وفي هذا يقول الخطابي : أن النبي [ : »إنما كوى سعداً ليرقأ الدم من جرحه، وقد خاف عليه أن ينزف فيهلك«، والكي مستعمل في هذا الباب، كما يكوى من تقطع يده أو رجله، وأما النهي عنه فهو : أن يكتوى المرء طلباً للشفاء، وقد كانوا سابقاً يعتقدون أن المرء إذا لم يكتو هلك، فنهاهم النبي [ لأجل هذه النية، وقوله صلوات الله وسلامه عليه: »وأنا أنهى أمتي عن الكي«، وفي حديث آخر »وما أحب أن أكتوي« إشارة إلى تأخير العلاج بالكي، حتى تدفع الضرورة إليه، ولا يعجل التداوي به، لما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي.
وقد رغب النبي [ أن يعيد الناس نظرتهم في استعمالات الطرق الشعبية في علاج أمراضهم، فنبه إلى أن الدواء يشفي بإذن الله إذا وافق الداء، وأن الاكتواء دون استطباب علمي يعتبر تعلقاً بالأوهام، وهو مناف للتوكل على الله.

الكي في الطب الإسلامي: 


تحدثت غالبية الكتب الطبية العربية، عن موضوع المعالجة بالكي، وأفرد كتابها من مشاهير أطباء العرب والمسلمين القدامى، فصولاً كثيرة لها، وقد بحثت هذه الفصول في العديد من مجالات -الاستطبابات والتقنيات والأدوات والنتائج، من مثل ذلك، كتاب »القانون« لابن سينا، و»كامل الصناعة« للمجوسي، و»العمدة في الجراحة« لابن السقف، و »التيسير« لابن زهر ... إلخ، وقد تمحور عموماً مضمون هذه الكتب وغيرها حول المسائل المتعلقة بطريقة العلاج بالكي، والأدوات المستخدمة ذلك وكيفية استعمالات هذه الأدوات .. وإلى ما هنالك ولكن الكتاب الذي بحث موضوع »استخدمات الكي وعلاجاته« بطريقة علمية ميسرة ومفسرة ومرفقة برسوم للأدوات، هو كتاب »التصريف لمن عجز عن التأليف »لأبي القاسم الزهراوي المتوفي عام 1013م والذي ترجم إلى عدة لغات، وكان يدرس في المدارس الطبية المتنوعة، و قد أخذ عنه ونشر آراءه في فرنسا »غي دوشولياك«، وجمعه في كتاب اسمه »الجراحة الكبرى«، كما ترجمه إلى الفرنسية »لوسيان لكلار« ونشره عام 1861 في باريس، وكذلك ترجم الكتاب إلى الإنكليزية ونشر في لندن في أوائل سبعينيات هذا القرن.
والجدير بالذكر، أن الزهراوي توسع بشكل خاص في استخدامات الكي، وكان يستعمله في علاج معظم الأمراض، مفضلاً إياه على المشرط، ومخالفاً بذلك تعاليم أطباء اليونان القدامى.

أنواع الكيّ: 


قسم العلماء الكي بشكليه القديم والحديث حسب الطريقة المستعلمة فيه، إلى عدة أنواع: الأول الكي الحراري بالنار والمعادن المسخنة، بما في ذلك الكي بالوميض الكهربائي، وبنوعيه أحادي وثنائي القطب، والثاني الكي بالمواد الكيماوية، والثالث الكي بأشعة الليزر وإيجابيات استعمالاتها المتنوعة للمناطق الحساسة والدقيقة في الجسم وأخيراً الكي بالبرودة الشديدة.
وقديماً كان يعرف الكي بأنه تعريض قطعة معينة من جلد الإنسان، أو أحد أوعيته الدموية المقطوعة للهب النار، أو لقطعة مسخنه إلى درجة الاحمرار القاتم، وكان الأطباء يفضلون استعمال الحديد في الكي، عن غيره من المعادن الأخرى، بسبب سرعة ارتفاع درجة حرارة انصهاره، وبطء برودته، ويشار إلى أن الزهراوي كان يستبعد دائماً استخدام المواد الكاوية في عملية الكي، وذلك لأن تأثيراتها تمتد وتتجاوز المنطقة المراد كيّها.

الكيّ التقليدي الشعبي: 


على الرغم من أن عمليات الكي تضاءلت كثيراً في عصر الطب النووي والعلم الحديث، إلا أن استعماله كطب تقليدي شعبي، ما يزال سائداً حتى تاريخه في معظم البلاد العربية وشبه القارة الهندية وغيرها.
والكي التقليدي عادة، يتم كما هو معروف باستعمال الحديد المسخن إلى درجة الاحمرار القاتم، وغالباً ما تكون الفريسة من المرضى البسطاء، الذي يئسوا من استعمال العقاقير والأدوية التي لم تنفع معهم، فلجأوا إلى الكي، بهدف الخلاص من آلامهم، ولأن الحرارة المرتفعة للحديد المسخن تؤدي في كثير من الأحيان إلى قطع النزيف الدموي، نتيجة حدوث تغيرات في طبيعة البروتينات الموجودة في خلايا الأنسجة، فقد يتوقف النزيف، أو يخف الألم كثيراً عند المريض الذي تعرض لكي جلده في منطقة معينة من جسمه، ومن جراء ذلك تختفي مؤقتاً أوجاع المريض السابقة، وتحل مكانها الآلام والأوجاع الناتجة عن الحرق القوي الذي سببه الكي، فيتوهم المريض بنجاح العملية، وينتابه إحساس بالشفاء ولكن بعد فترة قصيرة وما أن تشفى الحروق التي سببها الكي، حتى تعود مجدداً نوبات الألم والوجع وربما بشكل أقوى، فيعاود المريض الكي مرة أخرى ويتشوه الجلد إثر كل مرة، ويصبح عرضه للعديد من المضاعفات الصحية السيئة، الناتجة عن عمليات الحروق المتكررة لجلده، وكثيراً ما يرافق ذلك تلوث جرثومي للجروح »المكوية« تعرض المصاب لأمراض أخرى متنوعة هذا فضلاً عن احتمال حدوث صدمات عصبية وزيادة في عدد ضربات القلب، والتي قد تظهر فيما بعد، ولا سيما إذا كان المريض يعاني من أمراض قلبية سابقة، كتصلب الشرايين، ونقص التروية الدموية، واحتشاء في العضلة القلبية ... الخ.
وكثيراً ما نسمع قصصاً من هذا النوع، حيث يزداد الأمر سوءاً عند المرضى الذين لجأوا إلى المعالجة بالكي، عند أناس أميين، لا يعلمون عن الكي إلا المبادئ الأولية فقط، فتتأزم حالتهم الصحية وتصير الشكوى بعد الكي من آلام وأمراض أخرى، لم يعانوا منها من قبل، فيرجعون ثانية ويضعون أنفسهم تحت تصرف الطبيب المختص.



الخلاصة:


وصفوة القول، إن النظرية الطبية العربية، أي »المعالجة بالكي« تعتبر آخر مرحلة من مراحل العلاج والأمر يجب أن لا يقتصر على التفاخر والتباهي بهذه النظرية فحسب، بل على دراسة فائدتها وفكرها الطبي، والاعتماد بشكل مطلق على الأحاديث التي وردت عن النبي الأعظم [ في هذا الخصوص، وعن الصحابة كافة »رضوان الله عليهم«، بما في ذلك التعمق في دراسة جميع المعلومات الواردة في كتب ورسائل أطباء العرب القدامى في هذا المجال، ومعرفة كيفية الاستفادة منها في موضوع العلاج بالكي، وذلك وفق أسس ومعطيات العلم والطب الحديث، بهدف اكتشاف معلومات جديدة، وطرائق علاجية حديثة تفيد البشرية.