مسؤولية الطبيب الجنائية المترتبة على إفشاء السر المهني

(3)


طارق صلاح الدين محمد
خبير قانوني ـ وزارة الصحة العامة

من الموضوعات التي تثير الجدل الشهادات الطبية بعدم اللياقة وقد حسمت معظم التشريعات هذا الأمر ، فقوانين الخدمة المدنية نصت على أنه عند الالتحاق بالعمل للموظف أو تجديد عقده فلا بد من حصوله على تقرير طبي يفيد بأنه لائق طبياً يكون صادراً من طبيب مختص، والطبيب المختص هو الطبيب الذي تعينه الجهة المخدمة سواء كانت هذه الجهة حكومية أو خاصة، وتكون في الغالب إدارة القومسيون الطبي العام التابعة لوزارات الصحة العامة هي الجهة المختصة بإصدار تقارير اللياقة الطبية، إلا أنه لا يجوز للطبيب في تقريره الطبي أن يشير إلى تفاصيل المرض بل يتعين عليه ان يشير في تقريره عما إذا كان هذا الموظف لائقاً طبياً للعمل بصفة عامة أم لا؟، أو لائقاً للعمل في وظيفة معينة أم لا؟، فإذا أشار الطبيب في تقريره إلى طبيعة المرض أو نوعه يعد مفشياً لسر المهنة.


الركن الثالث:

أن يكون المفشي أميناً على السر:

وهي صفة خاصة للمقيم حيث يتعين أن يكون وقوع الإفشاء من طبيب، وقد نص القانون الجنائي السوداني في الباب العاشر على الجرائم المتعلقة بالموظف العام والمستخدم حيث نصت المادة (89) على الآتي:
»كل موظف عام يخالف ما يأمر به القانون بشأن المسلك الواجب عليه اتباعه كموظف عام أو يمتنع عن أداء واجب من واجبات وظيفته قاصداً بذلك أن:
يسبب ضرراً لأي شخص أو الجمهور أو يسهل مصلحة غير مشروعة لشخص آخر أو ...).
ولا شك أن الطبيب يندرج تحت تعريف الموظف العام وطبقاً للمادة المشار إليها فيكون ملزماً بالمحافظة على أسرار مرضاه، ونعيب على المشروع السوداني أنه لم يكن دقيقاً في بيان الأشخاص الأمناء على السر أسوة بتشريعات الدول العربية، ومن ذلك المادة (310) من قانون العقوبات المصري، حيث نصت هذه المادة على أن الأمين على السر يشمل الأطباء والجراحين والصيادلة والقوابل وغيرهم، وهي تشمل ما يتصل عمله بالمهن الطبية بحكم الضرورة، كمساعدي الأطباء والإداريين بالمستشفيات والعاملين بها وطلبة كلية الطب.
ونص قانون العقوبات العراقي في المادة (437) على أن (.. كل من علم بحكم وظيفته أو مهنته أو صناعته أو فنه أو طبيعة عمله..) أما قانون العقوبات الأردني فقد نص في المادة (355): »على أن من كان بحكم مهنته على علم..« ويظهر من هذه النصوص أن الطبيب ملزم بالسر، باعتبار أن مهنته من المهن التي لا يستطيع الناس الاستغناء عنها ولهذا يطلق على هؤلاء وصف الأمناء بحكم الضرورة، ويلاحظ أن القانون نص على أن الصيادلة من الأمناء على السر مرجعه أن الصيدلي يعرف عن أسرار المرضى بطريقة غير مباشرة من خلال الوصفة الطبية التي تقدم له، وبالتالي يستطيع بحكم مهنته أن يعلم بنوع المرض ولفظ »غيرهم » الوارد في المادة (310) المشار إليها قاطع الدلالة على أنه يشمل الممرضين الخاصين، وكل من يتصل عمله بالمهن الطبية بحكم الضرورة كفنيي العلاج الطبيعي وصانعي النظارات والأسنان وفني التخدير، ويمتد العقاب إلى كل أمين على السر بغض النظر عن أنه مرخص له بمزاولة المهنة ما دام أن المريض قد أودع لديه السر أو أطلع عليه هو بسبب ممارسته لمهنته أو وظيفته أو بمناسبتها فيلتزم بالكتمان.
أما عمال السكرتارية والفراشين فلا يلزم هؤلاء بالمحافظة على السر الطبي وأساس ذلك هو عدم اتصال أعمالهم بالمهنة الطبية أما إذا قاموا بأعمال تتصل بالمهنة الطبية مما يتيح لهم الاطلاع على أسرار المرضى كانوا من قبيل أمناء السر وبالتالي يعدون مسؤولين عن إفشاء أسرار المريض.
إلا أن الطبيب كي يكون ملزماً بكتمان السر يجب أن يكون قد علم به أثناء ممارسة الوظيفة أو بسببها، فالمعلومات التي تصل إلى الطبيب باعتباره شخصاً عادياً وليست بصفته طبيباً لا يكون الطبيب ملزماً بالمحافظة عليها.
ومن الموضوعات التي تثير اهتمام الباحثين موضوع الأطباء البيطريين وهل هم ملزمون بالسرية أسوة بالأطباء البشريين؟ أم لا؟
وهناك فريق يرى أن الأطباء البيطريين يمكن أن تصل إلى عملهم بعض الأسرار الخاصة بالمرضى من خلال مهنتهم باعتبار أن هناك بعض الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.


الركن الرابع: 

الركن المعنوي »القصد الجنائي«

جريمة إفشاء السر تعد من الجرائم العمدية ومن ثم يتخذ ركنها المعنوي صورة القصد. وقد عرفت المادة (3) من قانون عقوبات قطر لسنة 1971 القصد:
»يقال عن الشخص أنه سبب الأثر عمداً إذا سببه باستعمال وسائل قصد بها تسبيبه، أو باستعمال وسائل كانت وقت استعمالها يعلم أو لديه ما يحمله على الاعتقاد بأنها يحتمل أن تسبب ذلك الأثر«.
والقانون لا يعاقب من يفشى سراً نتيجة إهمال أو عدم احتياط في المحافظة عليه، كأن ينسى الطبيب ورقة تحوى ملاحظاته الخاصة عن أحد مرضاه في مكان ما فيطلع عليها مصادفة شخص ما.
أما عن الإرادة كعنصر ضروري لتوافر القصد الجنائي فيجب أن تتجه إرادة الطبيب إلى فعل الإفشاء وإلى النتيجة التي تترتب عليه، بمعنى أن يُعلم الغير بالواقعة التي لها صفة السرية. أي أن تتجه إرادته إلى إتيان الفعل الذي من شأنه أن يُعلم الغير بالواقعة وأن تتجه إرادته إلى توفير هذا العلم لديه.
وعن ذلك يمكن القول إن القصد الجنائي في جرائم إفشاء الأسرار هو قصد عام دون تطلب توافر نية الإضرار وهو ركن أساسي كي تقوم الجريمة وأن الباعث لا يؤثر في توافر القصد أو انعدامه.
المبحث الثاني: انتقاء مسؤولية الطبيب
متى توافرت أسباب إباحة إفشاء سر المهنة الطبي، فإن مسؤولية الطبيب الجنائية تنتفي.
وتنقسم أسباب الإباحة إلى أسباب مقررة للمصلحة الخاصة أو ما يسمى بالمصلحة الشخصية وأسباب مقررة للمصلحة العامة.
لم ينص القانون على أسباب الإباحة لإفشاء سر المهنة إلا في حالات ثلاث هي:
حالة الضرورة
حق الطبيب في كشف السر للدفاع عن نفسه أمام المحاكم.
رضاء المريض »صاحب السر«.


الحالة الأولى:

حالة الضرورة:

يرى بعض الفقهاء أن نظرية الضرورة تعد الأساس لإباحة الإفشاء للسر الطبي، حيث توجد ظروف تفرض على الطبيب واجب الإفشاء وعلى ذلك يكون من الضروري أن يفشي الطبيب لأب عن سر مرض ابنه لأن من الضروري للأب أن يعلم عن سر الحالة الصحية لابنه، ويكون من حق الطبيب أيضاً أن يخبر زوجة المريض بمرض معد تجنباً لإصابتها به فمن حق الطبيب أن يفشي سر المريض تجنباً لضرر أكبر من الضرر الذي ينتج عنه الإفشاء، فالطبيب الذي يشاهد أحد مرضاه يباشر عملاً ذا خطر على الغير كطاه في مطعم أو ممرضة في مستشفى فإنه يجب أن يبادر بنصحه بالامتناع عن العمل، فإذا رفض ذلك فلا سبيل أمام الطبيب سوى الإفضاء بالسر لصاحب العمل مادامت شروط الضرورة قد توافرت.
وتتوافر علة المشروعية عندما ترجح المصلحة في الإفشاء على المصلحة في الكتمان، إذا كانت المصلحة من الإفشاء حماية مصلحة أو حق أجدر بالحماية من الحق الشخصي.


الحالة الثانية:

حق الطبيب في كشف السر للدفاع عن نفسه:

استقر الرأي لدى الفقه والقضاء أن من حق الطبيب كشف السر دفعاً للمسؤولية في نطاق حقه في الدفاع عن نفسه عندما يتهم بارتكاب جريمة جنائية كالإجهاض أو الاغتصاب أو خطأ في العلاج، فعليه أن يقدم الأوراق الطبية والمعلومات التي تثبت إصابة المريض بمرض يحول دون ارتكاب الجريمة.
ويكون كشف السر متاح للطبيب للدفاع عن نفسه أمام الجهات المختصة كسلطة التحقيق أو الاتهام أو المحكمة أو النيابة ومن ثم لا يجوز الكشف عن السر في الصحف مثلاً.
حيث إن حق الدفاع من الحقوق الأساسية المقررة للمتهم التي نصت عليها جميع الدساتير والمواثيق الدولية وهذا الحق لا يلغيه أو يحجبه الالتزام بالمحافظة على السر.


الحالة الثالثة:

رضاء المريض »صاحب السر«:

من الحالات التي يجوز للطبيب أن يفشى السر فيها إذا أذن صاحب السر وكان الإذن صحيحاً صادرا عن إرادة حرة وإدراك سليم، ولم يكن مصدره ناقص الأهلية وكان الإذن صريحاً سواء بالكتابة أو القول.
ولا يلزم الطبيب إفشاء السر في حالة ما اذن له صاحبه في ذلك، وإنما الأمر في النهاية يعود إلى تقديره، وأن يوازن بين مبررات الإفشاء والكتمان وفقاً للاعتبارات العامة، دون أن يترتب على اختياره أحد الطريقين دون الآخر أية مسؤولية جنائية.
ومن أمثلة القضايا التي عرضت على القضاء الفرنسي دعوى طلاق رفعها ضابط يعمل في سلاح البحرية ضد زوجته، حيث ادعى الضابط أن زوجته حامل مع أنه غير قادر على الإنجاب وطلب من مدير المستشفى الذي يعالج فيه أن يدلي بشهادته أمام المحكمة لبيان مرضه إلا أن المحكمة رفضت الاستجابة لطلبه لمخالفة ذلك للالتزام بالسرية.
وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن جريمة إفشاء السر لا وجود لها في حالة ما إذا كان الإفشاء حاصلاً بناء على طلب مودع السر، فإذا طلب المريض بواسطة زوجته شهادة بمرضه جاز للطبيب إعطاء هذه الشهادة ولا يعد عمله إفشاء سر يعاقب عليه.
تلخص مما تقدم أنه يشترط في الرضا عدة شروط هي:
1- صدور الرضا من صاحب السر.
2- أن يكون الرضا صحيحاً وصادراً عن بينة.
3- أن يكون الرضا صريحاً أو ضمنياً.
4- أن يكون رضا صاحب السر قائماً وقت الإفشاء.

ثانياً:

أسباب الإباحة المقررة للمصلحة العامة:

ألزم القانون الأطباء إفشاء سر المهنة تحقيقاً للمصلحة العامة سواء استهدف ذلك ما يتعلق بالصحة العامة أو حسن سير العدالة.
والأصل في السر الطبي كتمانه واستثناء من هذا الأصل يجوز لبعض المصالح العامة والاجتماعية ترجيحها على مصلحة المريض في الكتمان، ولذلك أوجب القانون على الطبيب ضرورة المبادرة إلى إبلاغ الجهات الرسمية الصحية المختصة عن اشتباهه في إصابة المريض بأحد الأمراض المعدية أو التناسلية. وكذلك التبليغ عن حالات الولادة. فأوجبت كل التشريعات أنه يتعين على الطبيب الذي يجري حالات الولادة أن يقوم بالتبليغ عنها في السجل الخاص المعد لذلك بعد ملء بياناته الضرورية من ذلك اسم الأب والأم وجنسيتهما وديانتهما وتاريخ وساعة الولادة والحالة الصحية للمولود ونوع الولادة وما إذا كانت فردية أو توأم وغير ذلك من البيانات التي ترد في القوانين الخاصة بتنظيم قيد المواليد والوفيات.
كما أوجب القانون على الطبيب تحرير البيانات الخاصة بالأشخاص المتوفين من ذلك ساعة وتاريخ الوفاة وسبب الوفاة، وقد أتاحت معظم القوانين للأطباء في حالة الاشتباه أن الوفاة غير طبيعية وأنها ربما تكون جنائية فعلى الطبيب إبلاغ الجهات المختصة بذلك، فإذا لم يفعل ذلك فإنه يكون مسؤولاً كما يلاحظ أن القوانين وضعت قيداً زمنياً للطبيب لإبلاغ عن حالات الولادة والوفاة فإذا تجاوز هذا القيد الزمني يكون أيضاً مسؤولاً جنائياً.
وكذلك مطلوب من الطبيب تحقيق حسن سير العدالة وذلك بالتزامه بأداء الشهادة أمام القضاء، فالمشرع نص على التزام كل شخص بأداء الشهادة لدى القضاء المكلف بذلك، وقرر عقاباً على تخلفه عن الحضور لأداء الشهادة، وهذا التزام عام يخضع له الأطباء.
وقد تكلف المحكمة الطبيب بعمل من أعمال الخبرة، ويحق للطبيب خلافاً للسر الطبي أن يدون معلوماته وملاحظاته عن الحالة ولو كان في ذلك كشف لسر طبي، ذلك أن الحكمة في إجازة عمل الخبير وعدم مساءلته عن إفشائه يعد ممثلاً للمحكمة وعمله لا يتجزأ عن عملها.