تثبيت الحمل ... وهم أم خيال؟


د. محمد السباعي
استشاري أمراض النساء و التوليد 


من الموضوعات التي تثير الجدل الشهادات الطبية بعدم اللياقة وقد حسمت معظم التشريعات هذا الأمر ، فقوانين الخدمة المدنية نصت على أنه عند الالتحاق بالعمل للموظف أو تجديد عقده فلا بد من حصوله على تقرير طبي يفيد بأنه لائق طبياً يكون صادراً من طبيب مختص، والطبيب المختص هو الطبيب الذي تعينه الجهة المخدمة سواء كانت هذه الجهة حكومية أو خاصة، وتكون في الغالب إدارة القومسيون الطبي العام التابعة لوزارات الصحة العامة هي الجهة المختصة بإصدار تقارير اللياقة الطبية، إلا أنه لا يجوز للطبيب في تقريره الطبي أن يشير إلى تفاصيل المرض بل يتعين عليه ان يشير في تقريره عما إذا كان هذا الموظف لائقاً طبياً للعمل بصفة عامة أم لا؟، أو لائقاً للعمل في وظيفة معينة أم لا؟، فإذا أشار الطبيب في تقريره إلى طبيعة المرض أو نوعه يعد مفشياً لسر المهنة.

هناك ممارسة طبية واسعة الانتشار توحي للمرضى بأنه يمكن تثبيت الحمل ومنعه من السقوط، وهذه الممارسة منتشرة في الدول العربية ، ولكن هل هناك دليل علمي يؤيد أو يعارض هذه الممارسة؟

وظائف الأعضاء Physiology:

المسألة العلمية البويضة أم الحمل؟

»التثبيت« من الداخل أم من الخارج؟

الاستنتاجات:

النصيحة النهائية:

وظائف الأعضاء Physiology:

يطلق أحد المبيضين بويضة - عادة كل شهر قمري - وتتكون في مكان التبويض غدة تفرز هرمونات معينة أهمها »Oestrogen وProgesterone« هذه الغدة تضمحل وظائفها وتضمر في خلال أسبوعين من التبويض إلا إذا تم الإخصاب وبدأ الحمل. في خلال الأسبوع الأول بعد الإخصاب ينتج الحمل نفسه هرموناً خاصاً بالحمل »Human Chorionic Gonadotrsphin« (HCG). هذا الهرمون يزداد إنتاجه بسرعة ومن وظائفه مساندة أو تثبيت الحمل وأيضاً يساعد الغدة المبيضية »Corpus Luteun-CL« على الاستمرار والزيادة في إنتاج هرموناتها التي لها أيضاً وظائف هامة في أثناء الحمل. هنا يصبح »CL« الجسم الأصفر الحملي غدة هامة من 8 إلى 12 أسبوعاً من بداية الحمل، عندها تكون المشيمة قد اكتمل تكونها وتستمر في إفراز »HCG« بكميات هائلة لمساندة الحمل.

 

المسألة العلمية البويضة أم الحمل؟

هذا السوال إجابته أسهل من »البيضة أم الدجاجة« على الأقل نأمل هذا حسب الأدلة العلمية.
تشير دراستي - ودراسات أخرى متعلقة بهذه الجزئية - إلى أن الحمل نفسه يؤدي إلى إفراز HCG وبالتالي هرمونات »CL« الجسم الأصفر الحملي، ثبت علمياً أيضاً أن وظائف هذه الهرمونات تساعد أو تساند جسم المرأة عموماً على تقبل الحمل والتأقلم مع متطلباته المتزايدة.
هناك أيضاً دراسة وحيدة وفريدة من نوعها تؤكد أن إزالة الجسم الأصفر الحملي - وبالتالي هرمونات Oestrogen وProgesterone قبل تمام 7 أو 8 أسابيع يؤدي إلى »سقوط« الحمل. هذا التأثير يزول بعد 8 أسابيع عندما تصل المشيمة إلى مرحلة كافية من التكوين والنمو ويبدأ اضمحلال وضمور الجسم الأصفر الحملي.
ثبت أيضاً أن هرمونات الجسم الأصفر الحملي »Orp« ليس لها تأثير على تكوين المشيمة. ومعلوم أن نمو الحمل والمشيمة جزء أساسي منه لها خاصية النمو التلقائي. وهرمونات الجسم الأصفر الحملي إذن قد يقتصر تأثيرها على أعضاء وأجهزة الأم نفسها ومن بينها الرحم والغشاء المبطن له، وهما مهمان في الأسابيع المبكرة من الحمل لمنع السقوط.
يمكن تلخيص ما سبق في أن الجسم الأصفر الحملي والمشيمة يفرزان هرمونات بكميات كبيرة ومهمة لمساندة واستمرار الحمل.

 

»التثبيت« من الداخل أم من الخارج؟

الثابت حتى الآن انه إذا كان الحمل مقدراً له أن يفشل فسيؤدي هذا إلى تناقص في مستويات الهرمونات المشار إليها أعلاه، ويتوقف الحمل عن النمو ويبدأ في الاضمحلال والسقوط.
لم يثبت علمياً بأي صورة مقبولة الادعاء بأن إعطاء أي من الهرمونات المشار إليها يمكن أن يؤدي إلى تفاعل إنعاش أو تثبيت الحمل الذي بدأ في السقوط أو الحمل الذي سيسقط.
لم يثبت أن إعطاء Progesterone يؤدي إلى »إنقاذ« الجسم الأصفر الحملي الذي فشل أو سيفشل ولا يؤدي إلى استمرار الحمل، ولا يؤدي إلى ارتفاع مستويات Progesterone المتضاءلة في دم المرأة.
لم يثبت أيضاً ان حقن HCG يؤدي إلى »إنقاذ« الجسم الأصفر الذي بدأ في الاضمحلال والفشل، ولا يؤدي إلى ارتفاع في مستويات Progesterone في دم المرأة. وينطبق هذا في حقن (HCG) على المشيمة ومستويات (HCG) الداخلية أو »الأصلية« (Endogenous).
نشرت أبحاث من الدول الاسكندنافية تؤكد أن نسبة نجاح Progesterone أو HCG الخارجي (Exogenum) لا تصل إلى نسبة نجاح المساندة النفسية في حالات سقوط الحمل المتكرر.

 

الاستنتاجات:

وهنا يفرض السؤال المنطقي نفسه: هل هناك مبرر لإعطاء هرمونات قوية - قد لا تخلو من التأثيرات الجانبية - بدون أي سند علمي مقبول؟
يعتبر (HCG) مأموناً إلى حد كبير. ولكن اعتبار هذا مبرراً وحيداً لوصفه غير مقبول علمياً أو مهنياً.
يحتمل حدوث تأثيرات جانبية لهرمونProgesterone على الأم (الثدي - الدورة الدموية والتجلط) وفي حالات نادرة قد يؤثر على نمو الأعضاء التناسلية إذا كان الجنين أنثى »Musculinising Effect«.

 

النصيحة النهائية:

وفي حين يضع هذا البحث المسؤولية على عاتق الطبيب المعالج، فإنه وعلى الجانب الآخر يجب شرح ومناقشة مسألة إعطاء المريضة هرمون لتثبيت الحمل، ومناقشة الفوائد المحتملة والمخاطر المحتملة في نفس الوقت، وإذا كان الاستنتاج من المناقشة مع المريضة أنه لا يوجد مبرر كاف لإعطاء الهرمونات فيجب على الطبيب عدم وصفها للمريضة، أما إذا كان الاستنتاج أن المريضة تدرك عدم الفائدة من الهرمونات ولكنها تريدها لأسباب نفسية رغم الأضرار المحتملة لهذه الهرمونات، فقد يعطي هذا مبرراً كافياً للوصفة. ولكنه من غير المقبول التوسع في وصف الهرمونات الخاصة بتثبيت الحمل بدون مراجعة ذاتية أو بمعرفة جهة علمية وطبية مسؤولة.