أحوال المرضى مع الصيام


د.عصام عبده
مركز التثقيف الصحي


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 183 أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْر لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 184 شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ و َبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ البقرة.
فالمرضى أقسام وهم ليسوا سواءً فمنهم من مرضه مرض طارئ يرجى برؤه ومنهم من مرضه ملازم له لا يرجى برؤه لطول دوامه أو لشدته وثقله ، ومن الأمراض ما هو طارئ ولكنه شديد لا يتحمل صاحبه الصيام معه ومن الأمراض ما هو مزمن ولكنه يتحمل ، كما أن الناس يختلفون فمنهم من يتحمل الصيام حال مرضه مع نوع من المشقة ومنهم من ليس كذلك وعليه فإننا نورد تقسيما لفضيلة الشيخ العثيمين رحمه الله ونرتضي هذا التقسيم وهو على النحو التالي : 


أولاً : المريض الذي يرجى برء مرضه:

وله ثلاث حالات:
أحدهما: أن لا يشق عليه الصوم ولا يضره، فيجب عليه الصوم لأنه ليس له عذر يبيح الفطر.
الثانية: أن يشق عليه الصوم ولا يضره، فيفطر.
لقوله تعالى: وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ البقرة: 185
ويكره له الصوم مع المشقة، لأنه خروج عن رخصة الله تعالى وتعذيب لنفسه.
وفي الحديث: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته" رواه أحمد 
الحالة الثالثة: أن يضره الصوم فيجب عليه الفطر ولا يجوز له الصوم.
لقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماًالنساء: 29
وقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِالبقرة: 195
ولقول النبي [: "إن لنفسك عليك حقاً" رواه البخاري (1968).
ومن حقها: أن لا تضرها مع وجود رخصة الله سبحانه.
ولقوله [: "لا ضرر ولا ضرار"أخرجه ابن ماجه. 
وإذا حدث له المرض في أثناء رمضان وهو صائم وشق عليه إتمامه: جاز له الفطر لوجود المبيح للفطر.
وإذا برئ في نهار رمضان وهو مفطر: لم يصح أن يصوم ذلك اليوم، لأنه كان مفطراً في أول النهار، والصوم لا يصح إلا من طلوع الفجر.


ثانياً : المريض العاجز عن الصيام عجزاً مستمراً لا يرجى زواله :


كالكبير والمريض مرضاً لا يرجى برؤه كصاحب "السرطان" ونحوه، فلا يجب عليه الصيام؛ لأنه لا يستطيعه.
وقد قال الله سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْالتغابن: 16، وقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَاالبقرة: 286
لكن يجب عليه أن يطعم بدل الصيام عن كل يوم مسكيناً؛ لأن الله سبحانه جعل الإطعام معادلاً للصيام حين كان التخيير بينهما أول ما فرض الصيام، فتعين أن يكون بدلاً عن الصيام عند العجز عنه؛ لأنه معادل له.
ويلحق بالكلام على المريض من كان فاقداً للعقل:
فلا يجبُ عليه الصيام، لقول النبي [ "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يفيق" رواه أحمد.
ولا يصح منه الصيام؛ لأنه ليس له عقلٌ يعقل به العبادة وينويها. والعبادة لا تصح إلا بنيةٍ لقول النبي [ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى..." رواه البخاري.
فإن كان عقله يذهب أحياناً ويفيق أحياناً: لزمه الصيام في حال إفاقته دون حال جنونه، وإن جن في أثناء النهار لم يبطل صومه كما لو أغمي عليه بمرضٍ أو غيره؛ لأنه نوى الصوم وهو عاقل بنيةٍ صحيحةٍ ولا دليل على البطلان خصوصاً إذا كان معلوماً أن الجنون ينتابه في ساعاتٍ معينةٍ.
وعلى هذا: فلا يلزم قضاء اليوم الذي حصل فيه الجنون.
وإذا أفاق المجنون أثناء نهار رمضان: لزمه إمساك بقية يومه؛ لأنه صار من أهل الوجوب، ولا يلزمه قضاؤه كالصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم.
أما العجوز الهرم الذي بلغ الهذيان وسقط تمييزه فلا يجب عليه الصيام ولا الإطعام عنه؛ لسقوط التكليف عنه بزوال تمييزه، فأشبه الصبي قبل التمييز.
فإن كان يميز أحياناً ويهذي أحياناً: وجب عليه الصوم في حال تمييزه دون حال هذيانه والصلاة كالصوم لا تلزمه حال هذيانه وتلزمه حال تمييزه.