رمضان .. ضيف الله

د.زكية مال الله
شهر الله وبالله ومن الله ولله حين يدنو بخطواته تنشرح القلوب، وتبرق العيون، ويلمع في السماء برق، وتتزين النجوم ، وهاهي الأرواح تصطف في خشوع لاستقباله وهو ينثر عليها عطوره ويعبق الأنفاس ببخوره ويشتمل الأجساد بحنوه ويختلط مع الدماء في العروق ويمتزج بالدموع في الأحداق ويلتمس الدفء في الأعماق، هاهو ينحني يصلي ويسجد سجدة طويلة يرتل "سبحانك سبحانك ما أعظم شأنك!" تسمعه الملائكة ، تعيد ترديد الصوت ، ينأى بعيدًا، يحمل صرته وماءه وزاده ويستكمل التسبيح والترتيل. رمضان يطرق الأبواب ، يشرع النوافذ، يطلق طيور المحبة تحلق فوق رؤوس الكائنات تذكرهم بالرسالة المحمدية وتنفض الغبار عن أحكامها وشرائعها في أذهانهم يسمعه في سكون الليل يبتهل "إلهي لا تؤدبني بعقوبتك ولا تمكر بي في حيلتك. من أين لي الخير يا رب ولا يوجد إلا من عندك؟ ومن أين لي النجاة ولا تستطاع إلا بك؟ بك عرفتك وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك، ولولا أنت لم أدر ما أنت" .
وكلما اعترض سبيله سائل أو محتاج استخرج كنوزه من لآلئ السور، وأصداف الآيات وقدمها هدية سخية لهم. يصحو باكرًا قبل الفجر يتذكر المولى بحمده ويشكره و يلهج بخلقه ومخلوقاته ويمتلئ بعظمته وجلاله. وحين الضحى يتكوم في عباءته ويتعلق بأطراف السماء يرجو عفوه ورحمته . وعندما يحين الليل يرفع كفيه ويبسط منكبيه ويسترسل في دعاءه (سيدي عبدك ببابك، أقامته الخصاصة بين يديك، يقرع باب إحسانك بدمائه فلا تعرض بوجهك الكريم عنه. أنت الذي لا يخفيك سائل ولا تصك نائل)
أراه في عيون البائسين، وألمحه فوق وجنات المظلومين وأحسه عبر نظرات الشهداء، وأسمعه في أنات الثكلى والأرامل، وهو خبز الجوعى وماء العطشى وكسوة العراة ومواساة المساكين في بقاع الأرض يستغيثون الرحمن من شرور الأقوام والسلاطين، وهو راية السلام ترفرف فوق رؤوس بني الإنسان ترشدهم لمواقع الخير والاطمئنان ويفيض في عقولهم منابع للطهر ويقيم بصائرهم مدنًا للعدل والفضيلة .
رمضان لو أن هؤلاء يتسابقون لمعرفته ويتهافتون على رؤيته . لو أنهم يبسطون قلوبهم بدل الموائد لاستزادوا من علومه ويسهرون الليالي للاستضافة من قربه بدل التسامر في أمسياته . ولو أنهم يدركون سره ويستكشفون أثره ويستثمرون غنائمه أفضل من تبديد الأوقات في أيامه وساعاته . هو الضيف المبعوث من رب كريم، والرحمة المهداة من خالق عظيم، والوافد في كل العصور والأزمنة والحامل عطاياه لكل الأجناس والأديان.
رمضان المشع عبر الصدور والمغمور بالشعور والمتألق كالبدور، وحينما يولى هو وجهته للعبور و قنديل للاستضاءة ودرب مبرور وظل وارف وعشب أخضر وثمار يانعة.
نشتاقه وهو بيننا ويهفو إليه وهو صولنا ولا نمل أنسه ولا نضيق بحسه. يتجدد من كل نبضة ، ومعطاء لكل يدٍ، وورع وتقى، وعطوف ورؤوم. فأي ضيف أكرم ؟ وأي طارق أجود؟ وأي حاضر أحن؟ تعشقه النفوس المطمئنة وتنتبه بمحبته المشاعر المستكينة، وتصبو له الأقلام وترصده المخيلة.
وفي اليوم وكل يوم لك من سلام الله ومحبته، وألف طاقة ورد أهديها لكل نفس تتضوع باللهفة والاشتياق لحضوره ورسائل عتاب واستنكار لكل من يجهل مقداره ويفرط في الإحساس بوجوده ولا يأبه لمعرفة حقائقه، واستثمار أوقاته، ويستبيح حرمته وينتهك قدسيته. ضيف الله الذي يحل كلحظة ويرتحل كلحظة ويترك في غضون الروح أزمنة طويلة تبدأ بحلوله ولا تنقضي برحيله.