الأسس و المتطلبات القانونية فيما يتعلق بإذن المريض للطبيب في المعالجة 

(1)


السيد عبد الماجد بشير
مدير الشؤون القانونية 
مؤسسة حمد الطبية


تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى إيضاح بعض الجوانب القانونية المتعلقة بحق المريض في أن يتم استئذانه قبل البدء في العلاج والمتطلبات الواجب توفرها حتى يكون الإذن صحيحاً، كما تهدف إلى استجلاء بعض المسائل التي قد تخفى على الشخص العادي وحتى على ممارسي مهنة الطب ومساعديهم، مع إيضاح الأسس القانونية التي يستند إليها اشتراط الإذن والحالات التي لا يتوجب فيها الحصول عليه، وما إذا كانت هناك أي شروط شكلية لاستيفاء الإذن، والتطرق إلى بعض الحالات ذات المتطلبات الخاصة فيما يتعلق بإذن المريض.

وينبغي التنويه في البداية إلى أن المقصود من الإذن، في أبسط صوره، هو الحصول على موافقة المريض(1) قبل أن يقوم الطبيب ومساعدوه بفحصه ووصف العلاج اللازم وتقديمه إليه أو ممارسته على جسده، الأمر الذي سيكون لولا هذا الإذن، تعدياً على جسد المريض وخصوصيته فعلاً غير مشروع. إذن فالغرض من الإذن هو التأكيد على حماية جسد المريض من التعدي باعتباره إنسانا ذا حرمة لا ينبغي انتهاكها، وألا يحدث أي تدخل في خصوصيته أو مساس بجسده إلا في حدود ما يعلمه المريض ويوافق عليه مسبقاً وباختياره الحر أو ما يسمح به القانون وهذا المبدأ هو مبدأ أصيل في دساتير بلاد العالم المتحضر(2) ونصت عليه الشرعية الدولية لحقوق الإنسان. وقبل ذلك قرر الشرع الإسلامي حرمة الفرد في المجتمع المسلم: في دمه وماله وعرضه (3)، كما تضمن ذلك في الحديث الشريف ذي اللفظ الجامع المانع الذي اتخذ أساساً للتشريع المدني في الفقه الإسلامي: "لا ضرر ولا ضرار". 
وبالنسبة للقانونيين الطبيين في النظام القانوني الأنجلوساكسوني فقد تبلور مبدأ الإذن في العمل الطبي اعتباراً مما أدلى به قاضي المحكمة العليا الأمريكية كاردوزو في قضية مشهورة حدثت في عام 1914م:
" لأي إنسان بلغ سن الرشد ويتمتع بقواه العقلية الحق في أن يقرر ما سيفعل بجسده، والجراح الذي يجري عملية بدون موافقة المريض يكون بذلك قد ارتكب اعتداء على ذلك المريض"(4).
ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه العبارة القاعدة في اشتراط إذن المريض في النظام القضائي الأنجلوساكسوني.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن قاعدة اشتراط إذن المريض ليست أمرًا ضارباً في القدم، وإنما هو أمر تبلور على مراحل حتى صار جلياً مع بداية القرن العشرين، فقد لاحظ المؤرخون أن قسم ابقراط (Hippocratic Corpus) عنى أساساً بمفاهيم جلب النفع ومنع الضرر عن المريض (beneficence and non-malficence) ولم يتضمن شيئاً عن حق المريض في احترام ذاته وخصوصيته، بل إنه في القسم السادس عشر منه أشار إلى أن الأطباء ينصحون بإخفاء معظم الأشياء التي يعرفونها عن مرضاهم لأن الكثير من المرضى تسوء حالتهم إذا ما عرفوا ما بهم من علل.
ولعل السبب في ذلك أن العلاقة بين الطبيب والمريض لم تكن متكافئة في يوم من الأيام، فقد نما العلم الطبي القديم تحت رعاية الكهنة الذين كانوا يستخدمون في البداية التعاويذ لطرد الأرواح الشريرة التي تسبب المرض لدى المرضى، وبعد ذلك استخدم الأطباء الكهنة بعض الأدوية العشبية البسيطة للمعالجة، وبالرغم من قلة علم الأطباء القدماء إلا أنهم كانوا يحيطون أنفسهم بهالة تحول بينهم وبين أن يتنزلوا إلى مراتب عامة الناس ويبسطوا لهم ما يعلمون، ومن المفارقات انه عندما ازداد علم الأطباء واصبح الطب نفسه علماً متقدماً ومعقداً أكثر من ذي قبل وانتقل الطب من طور الممارسة الفردية لدى الطبيب نفسه، إلى الممارسة الجماعية لدى المراكز الطبية والمستشفيات، لم يستمتع الأطباء العلماء بما كان يستمتع به سلفهم الأطباء الكهنة من هالة وترسية، فقد تطورت مبادئ حقوق الإنسان والنزعة الاستقلالية للفرد في المجتمع، ابتداءً من اندلاع الثورة الفرنسية، وصار لزاماً على الطبيب أن يتنزل إلى مستوى المريض ويشرح له ما سيقوم به مسبقاً، ويوصي لدى المريض بالعلاج حتى يقرر المريض بنفسه ما يريد، ومن ثم ينفذ الطبيب رغبة المريض، ذلك مع مراعاة استثناءات ستتم الإشارة إليها في موضعها.

شــروط صــحة الإذن:

تتوافق الأنظمة القانونية الطبية بوجه عام على أن هنالك ثلاثة شروط ينبغي مراعاتها لكي يكون الإذن الصادر من المريض صحيحاً ويمكن الاعتداد به:
(1) سلامة واكتمال القوى العقلية والإدراكية للمريض (competence) فلا يعتد بالإذن الصادر من شخص لديه اختلال عقلي أو نفسي أو شخص واقع تحت تأثير منوم أو مخدر أو سكر.
(2) بلوغ سن الرشد (capacity)فلا يعتد بالإذن الصادر من طفل أو صبي لم يبلغ الثامن عشر من العمر حسبما جرى عليه العمل في دولة قطر. فبالرغم من أن القانون قد حدد عمراً أقل لتولي مسؤوليات قانونية يقل بعضها جسامة على النفس من مسؤولية العلاج الطبي (المسؤولية الجنائية عند سن السادس عشر، إبرام عقد الزواج عند سن السادس عشر للنساء مثلاً) إلا أن الإذن بالعلاج لا يصدر إلا ممن بلغ الثامن عشر، رجلاً كان أو امرأة، حتى ولو كان متزوجاً (5).
(3) أن يكون الإذن مبنياً على معلومات كافية وصحيحة (Sufficient Information) قدمها الطبيب أو القائمون على أمر العلاج حتى يتخذ المريض قراره على بينة من أمره، ولعل عبارة "الموافقة" أبلغ دلالة على هذا النوع من الإذن نظراً لأنها تدل على تصرف تفاعلي يصدر بعد تواصل الطرفين الطبيب والمريض، ولا ينشأ بمبادرة من المريض نفسه، كما يمكن أن يحدث في الأذونات الأخرى.

الأسس القانونية لاستئذان المريض بموجب القانون القطري:

تتضمن القوانين المتعلقة بممارسة مهنة الطب في دول العالم المختلفة الأسس والقواعد العامة التي تحكم ممارسة المهنة والتي دائماً تكون مبنية على قواعد السلوك الأخلاقي المتعارف عليها مهنياً، وفي مقدمة هذه القواعد: الحصول على إذن المريض، عدم إفشاء المعلومات المتعلقة به وبمرضه، أخلاقيات التعامل ما بين الأطباء، وما إلى ذلك.
ومما لا يجد له المرء تفسيراً أن أحكام المادة (20) من القانون القطري رقم (2) لسنة 1983 والمتضمنة لهذه القواعد، تضمنت حكماً يحظر إفشاء أسرار المريض، ومسائل أخرى أقل أهمية ولكنها جاءت خالية من أي حكم يوجب على الطبيب الحصول على إذن المريض على العلاج، ومن غير الواضح لدينا أسباب إغفال حكم بهذه الأهمية في هذا القانون (الذي يعود إلى عام 1983) وهل كان ذلك ناتجاً عن سهو؟ لكن الأمر المؤكد أنه قبل صدور ذلك القانون وبعده وحتى الآن يقوم الأطباء والمختصون في مؤسسة حمد الطبية بالحصول على إذن المريض قبل الشروع في المعالجة منذ فتح الملف الطبي، وقبل إجراء أي إجراء طبي أو عملية جراحية وهناك نماذج يتم التوقيع عليها من قبل المرضى وذويهم. ويتضمن مشروع قانون مزاولة المهنة الذي تم إعداده منذ سنوات، ولم يتم إصداره حتى الآن، نصاً تفصيلياً بشأن إذن المريض.
على أي حال، فإنه حتى في حال غياب نص تشريعي محدد، فإن القواعد العامة في القانون الجنائي والقانون المدني تجعل من ممارسة العلاج على جسد المريض، بما يتطلبه ذلك من كشف على جسده واستخدام معدات الفحص وسحب الدم واتخاذ أي إجراء طبي اختراقي (Invasive Procedure) أو عملية جراحية، دون إذن صريح أو موافقة ضمنية من المريض تجعل من ذلك الفعل تعدياً على حرمة المريض وعملاً غير مشروع يترتب عليه الحق في جبر الضرر (المواد 307 - 310 من قانون العقوبات القطري والمادة 199 من القانون المدني القطري).

هل يوفر إذن المريض الحماية الكافية للطبيب من المسؤولية؟

يعتبر توفر الإذن هو المسوغ القانوني للقيام بالخطوات والأفعال المادية التي تتطلبها مباشرة العلاج نفسه فهو يحمي الطبيب من دعاوى التعدي وانتهاك حرمة المريض. ولكن هل يحميه من دعاوى الإهمال الطبي في حال أن العلاج لم يحقق النتائج التي كان يرجوها المريض أو انه قد اكتنفته بعض المضاعفات غير المرغوبة؟

هناك تفصيل في هذا الأمر.
في الحالات التي تكون فيها تفاصيل الإجراء الطبي غير معروفة لدى المريض ويتوقع أن تحدث فيها مضاعفات في نسبة مئوية من الحالات، أو أن العلاج قد لا يؤدي فيها إلى الشفاء المطلوب، فإنه في هذه الحالات يجب على الطبيب أن يحيط المريض (أو أسرته) علماً بتفاصيل الإجراء الجراحي الذي سيقوم به، والمضاعفات المحتملة أو الممكنة، ويحصل على موافقته على جميع هذه التفاصيل والبدائل التي أمام المريض في حالة رفضه الإجراء العلاجي، مثلاً في حالات جراحة المخ والأعصاب، فإنه ينبغي على الطبيب أن يشرح للمريض أنه سيقوم بفتح الجمجمة واستئصال ورم أو غضروف أو تجمع دموي أو جسم غريب، وأنه بعد العملية سيحتاج لأن يبقى في العناية المركزة لمدة كذا يوم، وأنه ربما يكون تحت التخدير لمدة كذا، وانه بعد هذه العملية، فلربما يحدث له فقدان في أي حاسة أو منفعة أو عضو من أعضاء جسمه بنسبة كذا في المائة من الحالات، وأنه إذا لم يوافق على إجراء العملية فلربما يحدث له كذا وكذا .... وهكذا، فالمريض، ومعه أسرته، يفكر بالأمر ويوازن ما بين النتائج والمتاعب التي سوف تترتب على العلاج وتلك الأخرى التي سوف تترتب على رفضه، فيوافق أو لا يوافق. 
فإذا وافق المريض وأذن للطبيب، فإن الطبيب في هذه الحالة لا تثريب عليه، حتى ولو حدثت المضاعفات غير المرغوبة، شريطة أن يكون الطبيب قد أجرى العملية حسب الأسس والأصول الطبية المتبعة في مثل هذه الإجراءات والعمليات وحسبما يشهد به نظراؤه ممن هم على مستواه في التخصص، لأن المضاعفات يمكن أن تحدث حتى ولو قام الطبيب بكل ما هو مطلوب منه وأدى عمله على الوجه المطلوب، لأن واجب الطبيب هو بذل العناية المطلوبة منه حسب مستواه المهني ومقدرته، وليس مطلوباً منه تحقيق الغاية في الشفاء (6).
أما إذا كان الأمر بخلاف ذلك، وثبت أن الطبيب المعني قد أهمل أو قصر في اتباع الإجراءات المتفق على أهميتها حسب النظام العلاجي(Protocol) الموصوف، وأن فشل العلاج أو حدوث المضاعفات كان بسبب هذا التقصير والإهمال وليس لأي سبب آخر، فإنه لا يسعف الطبيب التمسك في هذه الحالة بالإذن الصادر من المريض، لأن إذن المريض إنما هو مبني على قيام الطبيب بواجبه على الوجه الصحيح، وليس تفويضاً للطبيب لأن يقصر في واجبه المهني، لذا، فإن إذن المريض يحمي الطبيب فقط في الحالات التي يحدث فيها مضاعفات أو فشل أو متاعب تفرضها طبيعة التدخل الطبي حسبما تشير به المراجع الطبية، دون تسبب أو إهمال من الطبيب.
وللحديث بقية،،

(1) تشير بعض المصادر العربية إلى ضرورة "رضا" المريض عن الاجراء الطبي، وفي رأينا أن مجرد الرضا لا يكفي، لأن الرضا شعور داخلي وفعل سالب لا يمكن التحقق من وجوده، بينما "الإذن" هو تصرف إيجابي يتضمن تعبير المريض عن الرضا، ولعل عبارة "موافقة المريض" هي الأكثر تعبيراً عن طبيعة التعامل بين الطبيب والمريض، باعتبار أن الموافقة إنما تبنى على مبادرة من الجانب الآخر، فيقترح الطبيب ويوافق المريض، ولكن في هذه المقالات سوف تستخدم عبارة "الإذن" لأنها تدل على التصنيف القانوني لما يصدر من المريض.

(2) المادة (37) من الدستور الدائم القطري تنص على أنه  "لخصوصية الإنسان حرمتها، فلا يجوز تعرض أي شخص لأي تدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته..."

(3) خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع.

(4) Justice Cardozo in Schloendorff v. Society of New York Hospital  105 NE 92 (NY, 1914).

جرى العمل على أن نحسب المدد بالسنوات الميلادية.

(6) المادة (18) من القانون رقم (2) لسنة 1983 في شأن مزاولة مهنتي الطب البشري وطب وجراحة الأسنان.