الحج و الصحة النفسية
د. العربي عطاء الله قويدري
مرشد نفسي
قسم الأمراض غير الانتقالية
إدارة الصحة الوقائية
الحج مدرسة تربوية إسلامية عامرة بشتى القيم النبيلة والدروس النافعة للفرد والمجتمع ، قال الله تعالى: الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب ]البقرة 196[، وقلما تجد مدرسة في دنيا الناس تجمع بين التعليم والتربية والصحة والوقاية والتثقيف والإرشاد، وإن وجدتها ألفيت مناهجها قاصرة، لا تفي بحاجات الإنسان الفطرية والنفسية والروحية.
والحج هو أحد ينابيع السعادة الروحية وطريق تصفية النفس وترقية أحوالها والسمو بها إلى مدارج الكمال وإبعادها عن المواقف المادية. وللمطالب النفسية والروحية شأن عظيم ومكانة عالية إذ هي التي تحدد خصائص شخصية الإنسان وصفاته السلوكية ومظاهر حركته الاجتماعية وأنماط تفاعله مع الناس، ومعنى هذا أن طاقة الجسم وحاجته محكومة وموجهة من طرف الروح وحاجاتها، لذا يوصي الإسلام بأن تهذب الروح وتتفتح وتصفى من كل أدران الجاهلية لتقوى على تحمل مسؤولية التوجيه والإرشاد.
وعبادة الحج تقضى على المشاعر المادية والدوافع النفسية المرتبطة بأطماع الدنيا، لتصفو العلاقات بين الحجاج وتستقيم حياتهم الاجتماعية، وهذا أمر طبيعي لأن انكسار شوكة المجتمع وخور قواه راجع لا ريب إلى غلبة الدنيا واستيلائها على القلوب، والحج ينشئ في النفوس يقظة هذه المشاعر الطيبة والإيحاءات ، بغية أن تنعكس في الواقع فتؤتي أكلها كل حين.
إن القيم النفسية التربوية التي تتجلى في الحج، تعمل على إصلاح الباطن النفسي وهي النية التي تسبق كل عمل، وإبعاد جميع الغشاوات الجاهيلة عنه، ثم بعد ذلك إصلاح الظاهر بالممارسة التطبيقية، وهذا من أجل إعداد الفرد المسلم نفسيًا وتربويًا وعقائديًا وروحيًا، ليقوم على أساس ذلك بناء سلوكي خارجي قوي، شديد التماسك.
ونحن نذكر هنا بعض القيم النفسية التربوية في مدرسة الحج :
1- الحج يجعل صاحبه يكف عن الكذب واللغو وقول الزور وما له علاقة بالحرام ، والمسلم لا يكون مسلما حقاً إذا اعتاد الكذب وتزييف الأمور بل إن الإيمان لينتفي عنه كل الانتفاء، 2- الحج الحقيقي هو الذي يتغلب فيه صاحبه على طاقة لسانه فيمسك زمامه فإن وجد في نفسه كلمة صائبة ( نصيحة، أو فائدة، أو قول حق...إلخ) قالها بإيجاز بعد أن يقلبها على وجوهها كلها.
3- الحاج يتدرب طوال أيام الحج على تصفية نفسه وحملها على الطهر والصلاح كي يظفر بما ظفر به أهل الاستقامة والرشاد في الدنيا والآخرة.
4- يتحلى الحاج بخلق الوقار، ولا يعرف طيلة أيام حجه الصخب ولا الرفث ولا الفسوق ولا الجدال ولا إقلاق راحة الحجاج، ولا بد أن يتميز بحسن سلوكه ومقدار وقاره ومدى سكينته، فهو لا يستجيب لأسباب الفساد ولا لدواعي النفس الأمارة بالسوء ولا يسقط تحت تأثيرات الجاهلية ، ولا يرد على لغط الناس.
5- ومن القيم التربوية الجليلة التي يغرسها الحج في نفوس الحجاج قيمة الحياء، ويرى الحكماء أجمعون أن قوة المجتمع لا تكون إذا انعدم في أفراده خلق الحياء , والحياء خلق نفسي كريم له تجليات طيبة تجعل المرء محبوبا لدى ربه معززًا لدى قومه والناس أجمعين فضلا عمن يخالطهم، فعن ابن عمر - رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على رجل من الأنصار وهو يَعِظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : "دعه فإن الحياء من الإيمان " متفق عليه.
6- الحج يلعب دورًا عظيمًا في التوازن والاعتدال والقسط والقوامة، ولو تمسك الحاج بأوامر الله تعالى واتباعه للحسنات وفعل الطاعات واجتناب المنكرات والمعاصي لتغيرت نفسه وارتقت به إلى نفوس الطاهرين الفائزين ويتخلص تماماً من أمراضه وأسقامه ونقائصه وآفاته.
وهذا قليل من كثير من الفوائد العظيمة التي تعود على الحاج جعل الله حجك مبرورًا وسعيك مشكورًا وذنبك مغفورًا.