أصوات من الجحر
من الدب الأسود
إلى الضب الأصفر

د. محمد و ليد الشعراني
استشاري جراحة المفاصل و العظام
عندما يضطر المريض إلى الجلوس في السرير والامتناع عن المشي لفترة طويلة بسبب مرض أو إصابة، فإنه سيفقد جزءًا كبيراً من قوة وصلابة عظامه، وهذا يحدث بسرعة كبيرة، فأسابيع قليلة كافية لتجريد العظام من معدنيها القويين الكالسيوم والفسفور.
وهذا القانون ينطبق على كل الثدييات، ماعدا قلة نادرة هي تلك التي تقضي عدة أشهر بالبيات الشتوي بدون أن تفقد قدراً يذكر من قوة عظامها، ثم تعوض هذا النقص بعد أن تعود إلى نشاطها السابق.
جرت دراسات هامة على الدببة وهي الحيوانات الكبيرة التي قد تصل مدة بياتها الشتوي إلى 7 أشهر ولكنها سرعان ما تستعيد نشاطها كما أنها تحافظ على قوة عظامها.
هذه الظاهرة الفريدة جذبت اهتمام البروفيسور الأمريكي هنري دوناهيو ، وهو بروفيسور عظام وتأهيل ، فقد قام بدراسة مثيرة نشرها في أحد أهم مجلات العظام الأمريكية (clinical orthopedic and related research)، في مارس 2003م.
أجريت هذه الدراسة على الدببة السوداء لمعرفة ما هي الخاصية الموجودة في جسم الدب والتي تحميه من الهشاشة بعد استراحة تامة مدتها 5-7 أشهر, وإذا كان السبب هرمون ما أو مادة كيميائية معينة، فإن تحضير هذه المادة سيخلص البشرية من مشكلة شائكة أقضت مضاجع الكثيرين في شتى أنحاء العالم.
أخذت عينات من دم هذه الدببة أثناء البيات الشتوي وهي في الجحور، كما أخُذت عينات أثناء النشاط الصيفي. أمكن متابعة هذه الحيوانات القوية بواسطة أطواق الرادار المثبتة على أعناقها . لقد وجد أن الدببة تحافظ على قوة عظامها كما لو أنها نشيطة، وقد ثبت هذا من التحاليل، والمذهل أن الدببة تقوم بهذا رغم أنها لا تأكل ولا تشرب، وحتى أن بعضها قد يلد بعد حوالي شهر من البيات الشتوي، أما نسبة الكالسيوم والفسفور في الدم فهي دائماً طبيعية.
تستطيع الدببة أن تحافظ على قوة عضلاتها أيضا أثناء البيات الشتوي، وإذا عرف السر في ذلك فقد يكون فيه شفاء لكثير من أمراض العضلات، فقد أجرى البروفيسور هنري هارلو من جامعة ويومينغ دراسة على عضلات الدببة وقد وجد أن حجم وعدد العضلات لا يقل مثلما يحصل لدى الإنسان و ذلك أثناء فترات الراحة الطويلة وهذه الخلايا العضلية تحافظ على محتواها من البروتين، وقد يكون السبب هو أن هذه الدببة تصاب بالقشعريرة بسبب البرد الشديد.
في الجحور تنخفض حرارة الدببة إلى 31 درجة مئوية، ولكن بعض السناجب قد تصل حرارتها أثناء البيات الشتوي إلى درجتين فقط في تصريح لأحد كبار الباحثين: بعد ثمانية سنوات من دخول الجحور الضيقة انقصم ظهري ،ويجب أن أسلم هذه المهمة لمن هم أصغر مني سنا.
أما الجحور العميقة في الثلج، فقد كانت دافئة نسبياً، ولا توجد فيها أي رائحة منفرة لأن هذه الدببة لا يخرج منها أية قاذورات أثناء البيات، فهي تعيد تصنيع البول في جسمها . يصل عمق بعض هذه الجحور إلى عشرة أمتار وليس لها إلا مخرج واحد، و هذا ما يضع الباحث القادم لاستخراج الدم في رهبة كبيرة لأنه العقبة الوحيدة في طريق هروب الدب المفزوع . بعض الدببة عدوانية وبعضها أليف إذا كان الباحث محظوظا. في البداية يحقن الدب بمخدر بواسطة إبرة مثبتة على عصا طولها أربعة أقدام ,فيتخدر الدب بعد 15 دقيقة . أما إذا حاول مهاجمة البروفيسور في هذه الأثناء فإن الأخير يشد الحبل المربوط آخره في رجليه و أوله مع بقية أعضاء الفريق الذين يسحبون الباحث بسرعة إلى الخارج .وإذا كان الدب وديعاً فإن دفئ المكان وظلمته قد تدفع الباحث لغفوة سريعة ، فالأمر يعتمد على شخصية الدب والباحث.
لو كان عندنا دببه لنصحنا المغامرين ألا يخوضوا هذه التجربة بدون خبرة . والناس هنا تسمع بعضة الضب وتخاف جحره , وإذا أخذنا بعين الاعتبار الفرق بين حجم الدب وحجم الضب فالنتيجة مرعبة.