|
الصحة النفسية هي حالة دائمة نسبيا يكون الفرد متوافقا نفسيا (من الناحية الشخصية والاجتماعية)، ويشعر فيها بالسعادة مع نفسه ومع الآخرين، ويكون قادراً على تحقيق ذاته واستغلال قدراته وإمكاناته إلى أقصى حد ممكن وإن من أهم أهداف التربية والصحة النفسية في مجتمعنا العربي الإسلامي تنمية المواطن العربي المسلم الصالح، الحر صاحب الإرادة و العقيدة والإيمان ، ويعيش في أمن واطمئنان.
ويأتي العلاج النفسي الديني كأسلوب أجمع عليه جميع الأطباء على اختلاف دياناتهم ومللهم، على أنه علاج يقوم على أسس ومفاهيم ومبادئ وأساليب دينية روحية أخلاقية، مقابل العلاج الدنيوي.
وأساس العلاج الديني الإسلامي من الناحية النفسية أو حتى الجسدية، يقوم على قوة يقين المريض في الله تعالى، واسمع إلى قوله تعالى: "الذي خلقني فهو يهديني، والذي يطعمني ويسقيني، وإذا مرضت فهو يشفين" وقوله تعالى : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير". والله تبارك وتعالى هو الذي وضع القوانين السماوية ، ويعرف أسباب انحراف سلوك الإنسان، ويعرف طرق وقايته وحفظه من المهالك، ويعرف طرق علاجه وصلاحه.
ولا بد لعلماء العلاج النفسي أن يستفيدوا من الدين في العلاج النفسي، وأن يلتزموا أوامر الخالق سبحانه وتعالى، ويبتعدوا عن نواهيه، والله جل وعلا أرسل إلينا أفضل الرسل وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي : كتاب الله وسنتي) وأنزل علينا أفضل كتبه، القرآن الكريم، الذي قال فيه سبحانه وتعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمينن}، وقال تعالى :{يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} وقال تعالى:{قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء}.
أسباب الاضطرابات النفسية:
الحياة النفسية ليست من البساطة بحيث يكون اضطرابها رهنا بسبب واحد، ولهذا فقد تتعدد أسباب الاضطرابات النفسية إلى الحد الذي قد يصعب فيه الفصل بينها أو تحديد مدى أثر كل منها على حدة، وسنذكر الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى مثل هذه الاضطرابات:
البعد عن طريق الله: سعادة الإنسان وراحته تكمن في التزامه أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه، والسير في طريقه المستقيم الذي رسمه لنا الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام، وآخرهم محمد [ الذي قال: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك) وإذا انحرف الإنسان عن هذا الطريق فسيعيش في ضلال ونكد واضطراب في السلوك ، والشقاء في الحياة الدنيا والآخرة، قال تعالى:{ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى}، وقال تعالى:{ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون}، وإذا أضل الإنسان طريق الله تعالى فسيعيش في غفلة ويطغى على قلبه الران {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} فلا يحل حلالا ولا يحرم حراما، بل يكون تائهاً حيراناً، يبحث عن السعادة عن الراحة عن الطمأنينة فلا يجدها.
الذنوب: إن الذنوب والخطايا والمعاصي والآثام، إذا دخلت القلب أفسدته وأضعفته، إن لم تهلكه، وتؤدي بصاحبها إلى ضعف الإيمان والدخول في الوسوسة وكثرة الظنون بالآخرين، وصغير الذنب إذا لم يعالج في حينه، يكبر ويصبح من عظائم الذنوب، قال تعالى: {ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه} ، وقال تعالى {إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون} وقال الشاعر :
رأيت الذنوب تميت القلوب
وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب
وخير لنفسك عصيانها
الصراع: أخطر الصراعات في النفس البشرية هو الصراع بين قوى الخير والشر، بين ما هو حلال وما هو حرام، بين الجانب الملائكي والجانب الحيواني في الإنسان، والصراع في النفس الإنسانية دائم ومستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأيهما غلب يرجع على صاحبه سواء بالخير أو الشر، فإن غلب الخير عاش في سعاة وطمأنينة وراحة بال، مستقر النفس نشيط، وأما إذا غلب الشر عاش في قلق وأصيب بالكسل والفتور وسوء الأخلاق.
والقلب إذا كان ضعيفا والنفس شهوانية والحظ قليل من التوكل والتوحيد والإيمان هنا ينتصر الشر على الخير قال تعالى:{فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره}.
ضعف الضمير: إن جل الأمراض النفسية ومظاهر سوء التوافق النفسي هي أمراض الضمير ، أوهى حيلة هروبية من تأنيب الضمير، وما يترتب عليه من الضعف الأخلاقي وضعف الوازع الديني، وهذا سيؤدي بلا شك إلى الانحرافات السلوكية.
حب الدنيا: التكالب على الدنيا وإيثارها على الآخرة ، سبب من أسباب الاضطراب النفسي، فالإنسان لم يخلق من أجل أعمار الدنيا بزخارفها الفانية وحطامها الزائل، الذي يولد عليه الحقد والحسد والبغض للآخرين، وحب الذات وعدم إيثارها على الغير، ولم نعي مقصد وجودنا وخلقنا في هذه الدنيا ، نحن خلقنا من أجل إعمارها بحضارة الإيمان والتوحيد، وليس بحضارة الفساد والضلال، وكل هذه الاضطرابات النفسية والسلوكية التي نعاني منها بسبب إيثار الحياة الدنيا على الآخرة.
اتباع الغرائز والشهوات: فالإنسان بفطرته فيه جانب ملائكي وجانب حيواني. فالجانب الملائكي هو طريق الخير الذي يسلكه الإنسان في حياته، لا يترك مجال لغرائزه وشهوته أن تقوده وتتحكم فيه، بل هو الذي يسيرها ويضعها في إطارها الصحيح الذي رسم لها، أما الجانب الحيواني فهو طريق الشر ، الذي يوقعك في الضلال والتيه ويقودك إلى طريق مسدود تعيش بعده في نكد وحيرة واضطراب في سلوكك.
|