مريض يطلب من طبيبه
إنهاء حياته للتخلص من الألم
الموت الرحيم أو القتل الرحيم كما يسميه
البعض قضية تفرض نفسها على الساحات الطبية
والاجتماعية والأخلاقية بين الحين والآخر،
ولأهمية هذه القضية طرحت هذه القضية
للنقاش على د. زياد النجار رئيس قسم
التثقيف الصحي بوزارة الصحة العامة، ود.عصام
عبده ، ود. رامي ديابي إخصائيا التثقيف
الصحي.
بداية نتوجه بالسؤال إلى الدكتور زياد
النجار:
مصطلح الموت الرحيم ماذا
يعني وكيف نشأ؟
كيف كانت البداية؟
هل تعني بهذا أن إيقاف
أجهزة الإنعاش والتنفس الصناعي تدخل ضمن
هذا الإطار؟.
هنا أتوجه بالسؤال للدكتور
عصام عبده :هل من ضوابط شرعية وفتاوى
معتبرة تضبط هذه المسألة؟
وهل من فتاوى أو قرارات
أخرى؟
لماذا لا ننظر إلى ما في
الأمر من إيجابيات كالحرية الشخصية مثلا؟
نعود للدكتور زياد النجار:
هل من شروط أو علامات يتم بها تشخيص موت
الدماغ والحكم النهائي بحدوث الموت؟
هل هناك آثار سلبية في حالة
تقنين ما يسمى بالقتل الرحيم؟
اذا أنتم تتوقعون حدوث
مصائب عظيمة من تشريع الموت الرحيم؟
مصطلح الموت الرحيم ماذا
يعني وكيف نشأ؟

د. النجــــار:
الفــــكـــــــــــــــــرة
مرفــــوضـــــــــــــــة فـي
البلـــــــدان
العـربــيـــــــــــــــة والإسلامية
شرعــا وقانونا
المصطلح له جذور قديمة حيث كان
يستعمل ما يسمى باليوثنيزيا وهي كلمة
يونانية تعنى الموت الجيد أو الكريم وربما
كان ما يسمى بالقتل الرحيم يحدث في نطاق
محدود وغير مقنن بين الحين والآخر في بعض
الدول الغربية ثم بدأ مصطلح الموت الرحيم
يشيع في الثمانيات من هذا القرن بسبب ما
تناقلته دوائر الإعلام عن ممارسته بشكل
واسع النطاق في هولندا وانتشار وباء
الإيدز واستعصائه على العلاج وبسبب ظهور
جماعات ضغط تروج تقنين القتل المسمى
بالقتل الرحيم.

كيف كانت البداية؟
تم التصويت على فكرة ما يسمى
بالقتل الرحيم للمرة الأولى في أستراليا
يوليو 1996م، ولكن تم إلغاء القانون بعد
مرور أشهر قليلة من التصويت عليه. أباحه
البرلمان الهولندي مؤخراً لكل الأعمار
بأغلبية 104 أصوات مقابل 40 صوتاً رافضاً،
إلا أن القانون ووجه بموجة عارمة من الغضب
الشعبي تمثلت في مظاهرات حاشدة أمام مبنى
البرلمان ، وقلدتها بلجيكا لكن باعتبار
شرط السن القانونية.
ما مدى القبول الدولي للمبدأ؟
ذكرت لك أن القانون ووجه في هولندا نفسها
بموجة عارمة من الغضب الشعبي وهو مرفوض
على المستوى العالمي العام وهناك تشريعات
قانونية تحظر هذا النوع من القتل، ففي
بريطانيا يسجن كل من يساعد شخصاً على قتل
نفسه 14 عاماً وكذلك فإن عقوبة الحبس تلاحق
كل من ساعد فرداً على الانتحار في إيطاليا
والنرويج. أما في المنطقة العربية
والإسلامية فالأمر مرفوض تماماً من
الناحية الشرعية والقانونية، وخذ على
سبيل المثال القانون السوري الذي ينص في
مادته 538: يعاقب بالاعتقال من 10-20 سنة من
قتل إنسانا قصداً بعامل الإشفاق بناء على
إلحاحه بالطلب.
هل تعني بهذا أن إيقاف
أجهزة الإنعاش والتنفس الصناعي تدخل ضمن
هذا الإطار؟.
بالطبع لا، لأننا يجب أن نفرق
بين ما يعنيه مصطلح القتل أو الموت الرحيم
وبين حالة إيقاف أجهزة الإنعاش، فالفرق
بينهما كبير، ولذلك يجب التفريق بين ما
يسمى بالموت الفعَّال والموت المنفعل،
فالحالة الأولى مثل مريض مصاب بالسرطان
يعاني من الألم والإغماء فيطلب من الطبيب
بإلحاح إنهاء حياته ليستريح من الآلام
وتولدت عند الطبيب قناعة تامة بأنه سيموت
بأي حال من الأحوال فتتولد عند الطبيب
دوافع الشفقة المحفوفة بإلحاح المريض على
التخلص من حياته، حينئذ يعطيه جرعة عالية
من بعض العقاقير التي توقف تنفسه، فيموت،
فهذا النوع محرم، أما الحالة الثانية فهي
التي يتدخل فيها الطبيب برفع أجهزة
الإنعاش عن المريض الذي أجمع الأطباء على
انه لن يعود للحياة مرة أخرى بسبب موت جذع
الدماغ، فهذا جائز.
هنا أتوجه بالسؤال للدكتور
عصام عبده :هل من ضوابط شرعية وفتاوى
معتبرة تضبط هذه المسألة؟

د. عبـــــــده:
تيســــــــــير المــــــــــوت للمرضى
يعــــــد قتـــــلا حتى ولو كــــــان
بدافع الرحمــــــــة بالمريـض
بالطبع هناك فتاوى تضبط هذه
المسألة من أدقها فتوى الدكتور القرضاوي
حيث أفتى فضيلته بما ملخصه:
تيسير الموت الفعال في مثل حالة السرطان
لا يجوز شرعاً لأن فيه عملاً إيجابيا من
الطبيب بقصد قتل المريض والتعجيل بموته
بإعطائه تلك الجرعة العالية من الدواء
المتسبب في الموت، فهو قتل على أي حال،
سواء كان بهذه الوسيلة أم بإعطائه مادة
سمية سريعة التأثير أم بصعقة كهربائية أم
بآلة حادة، كله قتل وهو محرم، بل هو من
الكبائر الموبقة، ولا يزيل عنه صفة القتل
حتى وإن كان دافعه هو الرحمة بالمريض،
وتخفيف المعاناة عنه، فليس الطبيب أرحم به
ممن خلقه وليترك أمره إلى الله تعالى، فهو
الذي وهب الحياة للإنسان وهو الذي يسلبها
في أجلها المسمى عنده.
ثم يفتي الدكتور القرضاوي بأنه يجب عدم
تسمية النوع الثاني وهو رفع الأجهزة عن من
ثبت بإجماع أهل التخصص من الطب أنه ميت يجب
عدم تسمية ذلك النوع بمسمى الموت الرحيم
حيث تتوجه الفتوى إلى إجازة هذا النوع وهو
الذي يتم فيه وقف المنفسة الصناعية أو ما
يسمونه "أجهزة الإنعاش الصناعي" عن
المريض الذي يعتبر في نظر الطب "ميتاً"
أو "في حكم الميت" وذلك لتلف جذع
الدماغ أو المخ الذي به يحيا الإنسان ويحس
ويشعر.
ويقول الدكتور القرضاوي أنه ذكر هذا الرأي
منذ سنوات أمام جمع من الفقهاء والأطباء
في أحد اجتماعات "المنظمة الإسلامية
للعلوم الطبية" بالكويت، فلقي قبول
الحاضرين من أهل الفقه وأهل الطب.

وهل من فتاوى أو قرارات
أخرى؟
وإضافة إلى فتوى الدكتور
القرضاوي هناك فتوى شيخ الأزهر السابق جاد
الحق علي جاد الحق رحمه الله بالإضافة إلى
مقررات مجمع الفقه الإسلامي الثالث
التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد
في عمان بالأردن عام 1987 حول أجهزة الإنعاش
والموت الأكلينيكي، والفتوى الصادرة من
المجلس الفقهي التابع لرابطة العالم
الإسلامي في دورته العاشرة في 24/2/ 1408هـ حيث
نصت الفتوى على ما يلي: المريض الذي ركبت
على جسمه أجهزة الإنعاش يجوز رفعها إذا
تعطلت جميع وظائف دماغه نهائياً، وقررت
لجنة من ثلاثة أطباء اختصاصين خبراء،أن
التعطل لا رجعة فيه، وإن كان القلب
والتنفس لا يزالان يعملان آلياً، بفعل
الأجهزة المركبة، لكن لا يحكم بموته شرعاً
إلا إذا توقف التنفس والقلب، توقفاً تاماً
بعد رفع هذه الأجهزة.
كما أكد على نفس المبادئ فضيلة الإمام
الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ
الأزهر في الجلسة التي عقدت خلال المؤتمر
الدولي السنوي الثالث والعشرين لكلية طب
عين شمس تحت عنوان "الطب المتكامل"،
والذي عقد في الفترة من 21-24 فبراير 2000 حيث
أكد أن حياة الإنسان أمانة يجب أن يحافظ
عليها، وأن يحافظ على بدنه ولا يلقي بنفسه
إلى التهلكة لقوله تعالى: "ولا تلقوا
بأيديكم إلى التهلكة" وحرم الإسلام قتل
النفس لقوله تعالى: "ولا تقتلوا أنفسكم
إن الله كان بكم رحيما". ونهى الرسول صلى
الله عليه وسلم عن أن يقتل الإنسان نفسه
نهياً شديداً، وتوعد من يفعلون ذلك بسوء
المصير في الدنيا والآخرة، فقد أكدت شريعة
الإسلام على التداوي من أجل أن يحيا
الإنسان حياة طيبة، كما أمرت الشريعة
الإسلامية الأطباء بأن يهتموا بالمريض،
وأن يبذلوا نهاية جهدهم للعناية به، وعلى
الطبيب والمريض أن يتركا النتيجة على الله
سبحانه وتعالى، وعلى الطبيب ألا يستجيب
لطلب المريض في إنهاء حياته، وإذا استجاب
يكون خائناً للأمانة سواء بطلب المريض أو
بغير طلبه، والعقاب للطبيب في هذه الحالة
يكون حسبما يراه القاضي لكل حالة على حدة.
ولكن من المعلوم أن القلب يبقى نابضاً في
حالة ما يسمى بالموت الدماغي فهل يعتبر
الإنسان ميتاً ولا يزال قلبه نابضاً؟
المسألة ليست بيدي ولا بيدك إنها تحتاج
إلى قرارات مؤتمرات ومن ذلك قرار مؤتمر
جنيف الدولي المنعقد عام 1979 الذي عرف فيه
الموت بتوقف جذع المخ عن العمل بغض النظر
عن نبض القلب بالأجهزة الصناعية.
ولهذا يرى الدكتور محمد علي البار أن
الموت هو موت الدماغ بما فيه من المراكز
الحيوية والمهمة جدًا والواقعة في جذع
الدماغ "اليقظة، التنفس، التحكم في
الدورة الدموية"، فإذا ماتت هذه
المناطق فإن الإنسان يعتبر ميتاً، لأن
تنفسه بواسطة الآلة المنفسة مهما استمر
يعتبر لا قيمة له ولا يعطي الحياة للإنسان،
وكذلك استمرار النبض من القلب بل وتدفق
الدم من الشرايين والأوردة "ماعدا
الدماغ" لا يعتبر علامة على الحياة
مادام الدماغ قد توقفت حياته ودورته
الدموية توقفاً تاماً لا رجعة فيه.
ويستدل على ذلك بحالة شنق الإنسان حيث
تتوقف الدورة الدموية عن الدماغ بينما
يستمر القلب في الضخ لعدة دقائق قد تبلغ
ربع ساعة إلى ثلث ساعة، وفي هذه الفترة
لاشك أن الشخص يكون قد مات رغم أن قلبه لا
يزال ينبض، وذلك لأن الدورة الدموية قد
انقطعت عن الدماغ، وقد مات الدماغ بالفعل.
لماذا لا ننظر إلى ما في
الأمر من إيجابيات كالحرية الشخصية مثلا؟
ليس في ديننا ما يسمى بحرية
الفرد في التخلص من حياته لأن نفسه ليست
ملكا له، ثم أي إيجابيات في القتل العمد
المسمى بالقتل الرحيم وهذا الأمر سيجر إلى
مصائب عظيمة منها على سبيل المثال لا
الحصر أن يتحول الطبيب من باحث عن الحياة
إلى مقدم للموت ومنها أن كل مريض علم أنه
مصاب بداء عضال سينظر إلى طبيبه ومعالجيه
بنظرة الشك هل سيقدم له دواء وعلاجاً أم أن
الحقنة التي يعطيها له هي الخنجر الذي
يطعنه به للتخلص منه؟ ومنها أيضاً أنها
ستجر إلى أن يفكر أقارب المريض المتهالك
في إنهاء حياته إما للتخلص من إرهاقاته
التي يحدثها لهم أو لاستعجال الحصول على
تركته المالية أو الحصول على التأمين كما
في البلدان الأوروبية، ومن أسوأ النتائج
على المدى القريب والبعيد هو أن تشريع
الموت الرحيم المزعوم سيؤدي إلى فتور همة
الباحثين في التوصل إلى اكتشاف وتطوير
علاجات جديدة للأمراض المستعصية فلماذا
يبحثون ما دام الحل سهلاً ورخيصاً؟ ألا
وهو الموت الرحيم!

نعود للدكتور زياد النجار:
هل من شروط أو علامات يتم بها تشخيص موت
الدماغ والحكم النهائي بحدوث الموت؟
هناك شروط طبية معتبرة ذكرها
الدكتور محمد علي البار ملخصاً بها ما تم
الاتفاق عليه في المجامع الطبية والفقهية
وهي:
يتم تشخيص موت الدماغ حسب الشروط الطبية
المعتبرة وأهمها:
وجود شخص مغمى عليه
إغماءً كاملاً.
لا يتنفس إلا بواسطة
جهاز التنفس.
تشخيص سبب هذا الإغماء يوضح وجود إصابة أو
مرض في جذع الدماغ أو في كل الدماغ.
عدم وجود أسباب تؤدي
إلى الإغماء المؤقت مثل تعاطي العقاقير أو
الكحول أو انخفاض شديد في درجة حرارة
الجسم أو حالات سكر شديد أو انخفاض في سكر
الدم أو غير ذلك من الأسباب الطبية
المعروفة التي يمكن معالجتها.
ثبوت الفحوصات
الطبية التي تدل على موت جذع الدماغ
وتتمثل في:
عدم وجود الأفعال
المنعكسة من جذع الدماغ.
عدم وجود تنفس بعد
إيقاف المنفسة لمدة عشر دقائق بشروط معينة،
منها:
استمرار دخول
الأوكسجين بواسطة أنبوب يدخل إلى القصبة
الهوائية ومنها إلى الرئتين وارتفاع نسبة
ثاني أكسيد الكربون في الدم إلى حد معين -
أكثر من 50 مم من الزئبق في الشريان.
فحوصات تأكيديه مثل
رسم المخ الكهربائي وعدم وجود أي ذبذبة
فيه، أو عدم وجود دورة بالدماغ بعد تصوير
شرايين الدماغ أو بفحص المواد المشعة.
نتوجه بالسؤال إلى الدكتور رامي ديابي:

هل هناك آثار سلبية في حالة
تقنين ما يسمى بالقتل الرحيم؟

د.ديـــــابي:
لا نريـــــــــــــــــد (تجارة الموت)
في مجتمعاتنا المسلمة.
بالطبع ومن ذلك سيكون هناك ما
يسمى بتجارة الموت وخذ على ذلك مثالاً وهو
ذلك الطبيب الأسترالي المدعو "فيليب
نتشكة" والذي يلقب بطبيب الموت حيث صرح
ذلك الطبيب بأنه سيعقد ندوات لتعليم
الأفراد كيف يتخلصون من حياتهم بطريقة
القتل الرحيم وأنه سيدرب عدداً في ندوات
خاصة ليقوم هؤلاء بتدريب آخرين وهكذا
دواليك، فأي بلاء ينتظر العالم إذا ما
أجيز موضوع القتل الرحيم المزعوم، ولهذا
أنا أرى أن نغير التسمية من القتل الرحيم
"بالحاء" إلى القتل الرجيم "بالجيم"،
وليس أخطر من أن تعلم أن 2123 مصاباً
بالسرطان الآن في هولندا أخذوا تصريحا
بإنهاء حياتهم بطريقة القتل الرجيم.

اذا أنتم تتوقعون حدوث
مصائب عظيمة من تشريع الموت الرحيم؟
- طبعاً يا سيدي هناك في زيورخ
بسويسرا ما يسمى بسياحة أو "بزنس"
الموت الرحيم، وكل هذا لم يأت من فراغ إنما
هو نتيجة طبيعية للتردي والتفسخ الحاصل في
المجتمعات الأوروبية التي لا تجد لها
ضابطاً من دين أو خلق أو عرف سليم تنضبط به
|