|
يأتي وميض من سيجارته
كالرعد يسعل ذلك الكهل
وصدى الصوت يتردد كالزلزال
كأنما السيل الجارف
تنهار أمامه جدر البيوت القديمة
لم يدرك أن ضعفه إعصار
يفزع الكلاب من أوكارها
اقتربت يده من عصى معقوفة
ليحمل جسده المنهك
حشرجة تخرج من رئته المتعبة
كأشواك تنتزع من صوف
لاهثة تبحث عن شباب قد مضى
فر منه طفل مذعور
يلاحقه نتن القطران
يحمل في يده الأخرى كيسا منتفخاً
يئن بما فيه من دواء
يجلس إلى البحر
مازالت المياه زرقاء
ويرتسم على صفحتها صفاء
ومحيا الكهل تعلوه أمواج عاتية
يُلقى بحبات الدواء مللاً
تلتهمها أسماك جائعة
بعد حين تلاقي حتفها
تنتفض إحداها
ألم بها الانتحار جهلاً
ألم بها الموت الزؤام.
هذا الكهل يرتكب جريمة
مازالت يده المرتعشة
تبحث عن صندوق التبغ
تلتف أصابعه على سيجاره
والأخرى تقدح ولاعة في الرمق الأخير
شِيء لها أن تولع
وتشعل سيجارة أخرى
تحتضن شفتاه عقب لفافة التبغ
ويشهق بعمق
عصفت به نوبة سعال ثائرة
الرئة المتعبة تنتفض
والقلب المسكين أصابه الرعاش
ازرَق الوجه المتجعد
ليس به حياة كماء البحر
مات الكهل
خلد في سجله جريمتان
والتهمت نيران عقل سيجارته
ما تبقى من الجسد الهزيل.
|