التعرض للمبيدات الحشرية
وتأثيرها على نشاط إنزيم الكولين إيستراز ووظائف تهوية الرئة


د. عصام الصواف
أستاذ ورئيس قسمي صحة البيئة
والصحة المهنية- وزارة الصحة العامة

أجريت هذه الدراسة على بعض العاملين في مجال رش المبيدات الحشرية وقد احتوت عينة البحث على مجموعتين من العمال المجموعة الأولى مكونة من 65 عاملاً في مجال رش المبيدات الحشرية العضوية الفوسفورية بعضهم يعملون في إعداد الخلطة وبعضهم يعملون في التحميل والبعض يعمل في عملية الرش مباشرة. أما المجموعة الثانية فقد احتوت على 32 عاملاً من نفس المستوى الاجتماعي والمادي والعمري ولكنهم لم يتعرضوا إطلاقا لهذه المبيدات وهذه المجموعة هي المجموعة الضابطة وقد تم اختيار عمال المجموعتين بطريقة عشوائية. وعن أسلوب إجراء البحث فقد كان هناك استمارة استبيان بها أسئلة عن التاريخ المهني وشملت الأسئلة نوع المهنة ونوع التعرض للمبيدات الحشرية وعدمه واستعمال الأدوات أو الملابس الواقية، كما أن هناك أسئلة عن بعض العوارض المرضية لبعض أجهزة الجسم مثل الجهاز العصبي والتنفس والكبد والكلى وقد تم تطبيق هذه الاستمارة على عمال المجموعتين وبعد ذلك تم عمل فحص سريري إكلينيكي لكل العمال مع التركيز على الجهاز العصبي الطرفي لاكتشاف مدي تأثر أطراف الأعصاب.
وقد تم قياس نشاط (الكولين إيستراز) في البلازما لعمال المجموعتين باستخدام الطرق القياسية المتفق عليها عالميا وقد أجرى هذا الاختبار في مؤسسة حمد الطبية، حيث تشير النسبة الطبيعية لهذا المكون في بلازما الدم إلى 7-19 ميكرومليمتر/مليمتر بلزما، ولم يتم الاعتماد على قياس هذا الإنزيم في كرات الدم الحمراء حيث تم ذلك بصعوبة بالغة كما أن هناك احتمالا للخطأ في إجراء التحليل مع الأخذ في الاعتبار بأن ذلك لم يكن متوفرًا في مختبرات مؤسسة حمد الطبية حين إجراء البحث. وقد تم إجراء هذا القياس لعمال المجموعة المتعرضة مرتين بحيث كانت المرة الثانية بعد 6 شهور من المرة الأولى حيث أخذنا في الاعتبار أن تتم بعد عودة الموظف من إجازة سنوية بعيداً عن العمل وبعيداً عن التعرض للمبيدات الحشرية لكي تعتبر قياساً مبدئياً لكل عامل ويتسنى مقارنتهما ببعضهما بعض. كما أجرى نفس الاختبار أيضًا لعمال المجموعة الضابطة مرتين على مدى 6 شهور. كما تم عمل اختبار وظائف الكلى والكبد ووظائف التنفس والتي أجريت مرتين قبل وبعد الدوام أي قبل التعرض والتعامل مع المبيدات ثم بعد التعامل والتعرض لهذا المبيد.
وقد أشارت نتائج البحث إلى أن هناك حوالي 22% من عمال المجموعة المعرضة اظهروا نقصان نشاط إنزيم الكولين إيستراز بنسبة 25-30% في قياس الثاني والذي أجري بعد 6 شهور من القياس الأول حيث يؤخذ هذا النقصان كمؤشر حيوي وتحذيري للتأثير المزمن لهذا المبيد الحشري حيث يستوجب ذلك إبعاد العمال المعرضين فورًا من التعرض حتى ترتفع النسبة لديهم مجدداً.
كما انخفض أيضًا متوسط قيمة هذا الإنزيم بين عمال المجموعة المتعرضة في القياس الثاني مقارنة بالقياس الأول .أما في المجموعة الضابطة فلم يحدث هذا الانخفاض لأنهم لم يكونوا متعرضين بوسيلة أو بأخرى للمبيدات الحشرية.
وقد أثبت البحث عدم وجود خلافات إحصائية بين عمال المجموعة المتعرضة وبين عمال المجموعة الضابطة بخصوص وظائف الكبد والكلى، فما يمكننا استبعادهم في هذا البحث لعوامل مؤدية لانخفاض إنزيم الكولين إيستراز مما يؤكد أن التعرض للمركبات العضوية الفوسفورية في المبيدات الحشرية هي عامل هام وقوي لحدوث انخفاض نشاط إنزيم الكولين ايستراز في البلازما في دم الإنسان.
وقد اشتكى 29% من العمال المتعرضين ، والذين كان لديهم انخفاض في نشاط الإنزيم من أعراض الالتهاب الطرفي العصبي (ضعف بالأطراف - حسياً أكثر منه عضليا مع فقدان الاستجابة الطرفية العصبية) وهو أحد أهم الأعراض التي حدثت نتيجة للتعرض لهذه النوعية من المبيدات الحشرية أما بخصوص وظائف التنفس فقد كان هناك انخفاض في وظائف تهوية الرئة بين عمال المجموعة المتعرضة وذلك في القياس الثاني والذي تم عمله بعد6 ساعات من القياس الأول أي قبل وبعد التعرض للمبيد الحشري ، وذلك يشير إلى التأثير الحاد للمركبات العضوية الفوسفورية إذا تم استنشاقها عن طريق الرئتين حيث تؤدي إلى ضيق في القصبات الهوائية.
وقد كانت محصلة نتائج هذا البحث أن التعرض للمركبات العضوية الفوسفورية في المبيدات الحشرية تؤدي لبعض التأثيرات المزمنة على إنزيم الكولين إيستراز بالدم والذي تنخفض نسبة نشاطه لدرجة تؤثر على وظائف الجسم المختلفة، كما أن هناك احتمالاً لإصابة الأطراف العصبية أما التأثير الحاد فيكون نتيجة للتأثير المباشر على الجهاز التنفسي ويحدث نقصانًا شديدًا في وظائف تهوية الرئة.
وبما أن هذا المركب الكيميائي يتم التعرض له عن طريق الاستنشاق أو التلامس الجلدي فإن التركيز على منع أو تقليل التعرض له تم عن طريق الملابس الواقية على الجسم كله ووضع الكمامات المناسبة لمنع استنشاقه مع ضرورة الحذر والحيطة عند خلع هذه الملابس بعد انتهاء الدوام حيث تكون ملونة بشدة ويمكن التعرض لما عليها من غبار المبيد أو حتى تعرض أهل العامل في منزله إذا ما تعرضوا لملابسه الملوثة.
أيضًا بالنسبة لعملية خلط وتعبئة المبيدات الحشرية وهي عملية شديدة الخطورة وتتسم بنسبة عالية جدا من التعرض ، والذي قد يكون قاتلاً فهنا نشير إلى ضرورة استخدام الأماكن المغلقة المزودة بأجهزة شفط الهواء وتعريض أقل عدد ممكن من العمال واستخدام أجهزة التنفس المزودة بأسطوانات الأكسجين. 
وهنا نشير إلى أهمية دور الصحة المهنية وإجراء الكشف الطبي الدوري على العمال وعمل قياسات البيئة المهنية والتأكد من إجراءات الأمن الصناعي وتقديم التوصيات اللازمة في صنع وتقليل معظم الأمراض والإصابات المهنية والمرتبطة بالمهنة.