فن التأمل

إعداد: 
محمد الحسيني طه
إدارة الإعلام ـــ مؤسسة حمد الطبية

إن الإنسان هو المخلوق الذي أنعم الله عليه بملكة التفكير، والإنسان الذي يتفكر يحيط بأسرار الخلق وبحقيقة هذه الحياة الدنيا، ويحصل على فهم أعمق لأهمية كونه إنسانا مرضيا عند الله، ويتعرف إلى صفات الله في كل ما يراه فيستمتع بالجمال أكثر مما يستمتع به غيره، ولا تسبب له المخاوف الكرب والقلق،ومعظم الناس يظن أن التفكر العميق يقتضي من الإنسان أن يعتزل المجتمع ويقطع علاقاته بالآخرين ثم ينسحب إلى غرفة خالية ويضع رأسه بين يديه مع أن الأمر أبسط من ذلك فالتفكير لا يستدعي مكاناً أو زماناً أو شروطاً محددة. 
ولا شك أن هناك أسباب تمنع الناس من التفكر منها اتباع الأكثرية التي تؤدي إلى الجمود العقلي فالإنسان عادة يفضل قبول ما تعلمه من الآخرين على البحث عن الحقيقة عبر التفكر، والأشياء التي تبدو غريبة للوهلة الأولى يعتبرها عادية بعد فترة، وأصدق مثال على ذلك ما نراه ونسمعه ونقرأه كل يوم عن الحوادث والكوارث والجرائم عندما تطوى صفحاتها تشعر بسكينة داخلية وكأنها لم تحدث. بل إن التكاسل الذهني يجعل الناس الذين تجمعهم طبقة اجتماعية معينة يفكرون بنفس الطريقة التي عاش عليه أسلافهم ولا يكلفون أنفسهم عناء التفكير للبحث عن طرق أفضل، فعلى سبيل المثال قد يتأثر من يدرس الطب تأثراً بالغاً عندما توضع الجثة أمامه للتشريح للمرة الأولى، فإنه يتفكر في كل شيء في الجثة، ولكن بعد رؤيته لبضع جثث أو فقدان بعض المرضى يصبح الأمر عادياً، وتوجد قناعة سائدة في المجتمعات إن التفكير العميق مضر فنجد الناس يذكرون بعضهم بعضاً بالقول "لا تفكر كثيراً وإلا فقدت صوابك" وهذه بالطبع خرافة ابتدعها من نأوا بجانبهم عن الدين وليس على الناس أن يتجنبوا التفكير ولكن عليهم أن يتجنبوا السلبية أو الانجراف في الوسوسة المبالغ فيها وسوء الفهم وبعضهم يتملص من مختلف المسؤوليات عبر تفادي التفكير وهذا هو الخداع، فإن لم يحرز الإنسان الحقيقة في الدنيا فإنه سوف يفهمها عندما يدركه الموت، وآخرون تجرفهم تيار الحياة اليومية ويقضون حياتهم في عجلة، ويشكون من ضيق الوقت بسبب كفاحهم من أجل الحياة فيفقدون الإحساس بالأمور التي تجري حولهم، وتتحول الوسائل التي تعين على مرضات الله ونيل رحمته ودخول جنته إلى غايات. ولتشجيع الناس على التفكر ومساعدتهم على إدراك الغاية من خلقهم وتعظيم قدرة الله وعلمه اللامحدودين، نستعرض جزءاً من صور التفكير لاستخلاص العبرة من خلال ما يمر بنا من الأشياء يوميا.
فاستيقاظنا في الصباح معجزة عظيمة واستهلال النهار بصحة جيدة معناه أن الله يعطينا فرصة أخرى لتحقيق المزيد من أجل آخرتنا كما يذكرنا ضعفنا بإدراك أن الكمال المطلق والتنزه عن النقض هما لله وحده بل إن ملاحظة التعامل والتناسق التام في نمو العظام نتيجة للتفاعلات الكيميائية التي تحدث في الجسم تذكرنا بإبداع الله تعالى الذي خلقنا في أحسن تقويم. والمشاهد الطبيعة لو كانت دون ألوان لفقدنا بهجتها، وكذلك بالنسبة للفواكه التي تحفظ في أغلفتها، والأشجار والنخيل الباسقات يصل الماء إلى أعلى ورقة فيها، ورغم رقتها إلا إنها لا تجف ولا تحترق بفعل الحر الشديد ولو أن إنساناً بقي في الخارج ولو لوقت قصير في حرارة مرتفعة فإن لون جلده يتغير ويعاني من الجفاف إنها العظمة الإلهية {كذلك يبين الله لكم الآيات لقوم يتفكرون} (النحل:11).
وحينما نرى الكوارث التي تحدث حولنا في العالم من زلازل وبراكين وحرائق وفيضانات يتذكر أن الله الذي سخر لنا ما في الأرض إن حققنا منهج الاستخلاف الذي يرضيه قادر على أن يسوي مدينة ما بالأرض مع تجهيزها بأحدث وسائل التكنولوجيا.
وعندما نتفكر في المرض الذي يكشف لنا بشكل واضح عن ضعف الإنسان نجد أنه حتى الزكام الذي يعتبر مرضاً بسيطاً يسببه فيروس دقيق غير مرئي بالعين المجردة ومع ذلك فإن هذا الكائن الصغير كاف لإفقاد رجل يتراوح وزنه بين 60 -80 كغ قوته، وجعله مرهقاً لدرجة تمنعه من المشي أو الكلام، ومعظم الأحيان لا تجدي الأدوية التي نتناولها نفعاً وكل ما نستطيعه هو أخذ قسط من الراحة والانتظار دون تدخل في رحى المعركة التي تدور داخل الجسم، فلنحافظ على تلك النعم ونخشى نزول النقم فكل جمال في الكون من حدائق ذات بهجة يردنا إلى جمال أكثر في جنة الخلد دون منغصات ومكدرات العيش وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وفي كل شيء له أية تدل على أنه الواحد وهنيئاً لمن لبى الدعوة إلى التفكر في كتاب الله المنظور (الكون) وتدبر في كتاب الله المقروء (القرآن) وكل إنسان يملك القدرة على التفكر. فهل أعملنا تلك الملكة المهمة كما يجب؟