الأسس و المتطلبات القانونية فيما يتعلق بإذن المريض للطبيب في المعالجة


عبد الماجد بشير
مدير إدارة الشؤون القانونية
مؤسسة حمد الطبية

 (2)

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى إيضاح بعض الجوانب القانونية المتعلقة بحق المريض في أن يتم استئذانه قبل البدء في العلاج والمتطلبات الواجب توفرها حتى يكون الإذن صحيحاً، كما تهدف إلى استجلاء بعض المسائل التي قد تخفى على الشخص العادي وحتى على ممارسي مهنة الطب ومساعديهم، مع إيضاح الأسس القانونية التي يستند إليها اشتراط الإذن والحالات التي لا يتوجب فيها الحصول عليه، وما إذا كانت هناك أي شروط شكلية لاستيفاء الإذن، والتطرق إلى بعض الحالات ذات المتطلبات الخاصة فيما يتعلق بإذن المريض.

شروط صحة الإذن من المريض للطبيب:
أوجزنا القول في الحلقة الماضية بشأن الشروط التي ينبغي استيفائها حتى يكون الإذن الصادر من المريض صحيحاً، وهي تفصيلاً على النحو التالي:
1/ سلامة واكتمال القوى العقلية والإدراكية للمريض (الأهلية العقلية (Competence)).
ويقتضي هذا الشرط أن يكون المريض مستمتعاً بكامل قواه العقلية ومدركاً لما حوله وقادراً على استيعاب ما يلقى إليه من معلومات والتعبير عن إرادته المستقلة، فالاستقلالية لا تتحقق إلا لمن كان قادراً على أن يقرر لنفسه، وبغض النظر عن سلامة القرار وما يترتب عليه من فائدة أو ضرر.
وليس كل مريض عقلي أو نفسي هو بالضرورة – وبشكل تلقائي- فاقد للأهلية بسبب ذلك المرض، ولكن ينبغي أن تفحص كل حالة على حدة، ويقرر ما إذا كان المرض قد أثر على مقدرة المريض الإدراكية التي تعينه على اتخاذ القرار. والعناصر اللازمة في المريض حتى يكون أهلاً لاتخاذ القرار، كما حددها القاضي ثورب Thorpe في قضية بريطانية مشهورة(1) هي كما يلي:
(1) القدرة على فهم واستيعاب المعلومات العلاجية والربط بينها والاحتفاظ بها في الذاكرة “Comprehending and Retaining Treatment Information”.
(2) الاعتقاد بصحة المعلومات العلاجية المعطاة “Believing the Information”.
(3) القدرة على تحليل المعلومات وإجراء الموازنات للتوصل إلى خيار “Weighing it in The Balance to Arrive at a Choice”.
وهذه القضية تتعلق بمريض مصاب بالفصام الاضطهادي المزمن “Paranoid Schizophrenia” ومسجون بسبب شروعه في القتل في عام 1962، ومع استمرار العلاج تحسنت حالته وفي عام 1993 أصيب بالغرغرينا في قدمه، وقرر استشاري الأوعية الدموية أن العلاج الوحيد المتاح لـه هو بتر الساق المصاب تحت الركبة، وعندما أخبره الأطباء بواقع حاله، وطلبوا منه الموافقة على البتر، رفض المريض ذلك بإصرار متعللاً بثلاثة أسباب، الأول: أنه قد سبق له ممارسة الطب وأصبح معروفاً على المستوى العالمي، وأنه – بتلك الصفة- لا يوافق على التشخيص الذي قدمه لـه الأطباء. والثاني: أنه على ثقة من أنه سيجتاز تلك المحنة بعون الله وبمساعدة الأطباء والممرضات الأكفاء. والثالث، وهذا هو الأهم، أنه يفضل أن يموت بقدمين على أن يعيش بقدم واحدة!.
ومن المؤكد أن المريض في هذه الحالة يعاني من اختلال عقلي يؤدي إلى ما يسمى بداء العظمة –كما يدل على ذلك السببان الأولان اللذان ساقهما المريض لرفض قرار الأطباء- إلا أن القاضي استنتج من السبب الثالث أن المريض لديه المقدرة على اتخاذ القرار، لأنه استوعب المعلومات التي قدمها لـه استشاري الأوعية الدموية واحتفظ بها في ذاكرته، واعتقد بصحتها، فربط بين الأسباب والنتائج ووازن بين الخيارات المختلفة، فأختار أن يموت بقدمين على أن يعيش بواحدة. لذلك قررت المحكمة بناءً على الدعوى التي رفعها الممثل القضائي للمريض إصدار أمر بمنع الأطباء من اعتبار المريض فاقداً للأهلية بسبب الاختلال العقلي، وبالتالي معاملته وفقاً لما تقتضيه مصلحته المثلى (أي مصلحة المريض) حسبما يراها الأطباء، لأن المحكمة توصلت إلي أن هذا المريض، برغم ما يعانيه من اختلال عقلي مثبت طبياً، إلا أن هذا الاختلال لم يؤثر على قدرته على اختيار القرار فيما يتعلق بالموافقة على العلاج من عدمها، ولربما أن مثل هذا المريض لا يملك الأهلية لإدارة أمواله، أو لأي أغراض أخرى، ولكنه بالنسبة لهذه الجزئية، فهو يملك الأهلية اللازمة.
إذن فليس صحيحاً أن كل مريض عقلي تلقائياً لا يملك القدرة عل اتخاذ القرار، وينبغي على الطبيب في كل الأحوال أن يتحدث إلى المريض العقلي ويقدم له المعلومات ويطلعه على العلاج المقترح ويتأكد من قدرته الاستيعابية والتقريرية، فإذا ثبت لديه أن المريض لا يستوعب المعلومات، عندئذٍ يخاطب أولياء أمره.
الأمر الآخر: والذي قد يمضي في اتجاه معاكس تماماً لما تقدم، هو أن هناك مرضى معافون تماماً من أي مرض أو اختلال نفسي أو عقلي ولكنهم في أحوال معينة يفتقرون إلى أهلية اتخاذ القرار بسبب طارئ يطرأ عليهم ويتسبب في تشويش قواهم الإدراكية التي تمكنهم من اتخاذ القرار، فالمرضى قد يكونون في حالة من الألم الشديد والمعاناة النفسية، بل أحيانا اليأس من الشفاء، بصورة تسلبهم القدرة على التفكير المنطقي وإجراء الموازنة المطلوبة بين النفع والضرر لكي يصلوا إلى القرار السليم، وهناك مرضى يسيطر عليهم الهلع والخوف عند رؤية الأطباء بمعاطفهم البيضاء وأدواتهم ويصابون بالاضطراب، كما أن هناك سيدات تكون آلام الطلق لديهن مبرحة للدرجة التي تفقدهن الصواب والتوازن وتشل القدرة لديهن على التفكير السليم فتصرخ مطالبة الطبيب بأن يولدها قيصرياً ويخلصها من آلامها، كما أن هناك من المرضى (والنساء خصوصاً) من لديهم خوف مرضي (Phobia) من وخز الإبر فيفقد المريض صوابه عند رؤية الإبرة ويفقد القدرة على اتخاذ القرار بشكل مستقل، فيرفض المعالجة رفضاً شديداً ولا يأبه لنتائج ذلك على صحته وسلامته، ومن المهم الإشارة هنا إلى أن اضطراب المريض والرعب الذي يبدو على محياه، وليس مجرد كون القرار غير عقلاني أو ضار بمصلحة المريض، هو الذي ينبغي أن يدفع الأطباء للحكم عليه بعدم الأهلية ومن ثم الاتجاه لأهله الأقربين (أوليائه) وأخذ موافقتهم على العلاج أو أخذ موافقة المحكمة المختصة في غياب ذلك. وعدم عقلانية القرار لا يعتبر في حد ذاته دليلاً كافياً على عدم أهلية المريض، وإنما أحد العناصر التي يمكن أن يستدل بها على انعدام المقدرة العقلية والنفسية لدى المريض على اتخاذ القرار، فينبغي الحكم على المريض بالرجوع إلى تاريخه المرضي وأقوال الشهود من أفراد أسرته.
ولإيضاح ذلك، فإننا نشير إلى قضية حدثت في عام 1997 في بريطانيا(2) حيث تقدمت الإدارة الطبية بطلب إلى المحكمة تطلب فيه الإذن لها بإجراء عملية قيصرية لسيدة في الثالثة والعشرين من عمرها تعاني من مضاعفات ناتجة من الحمل وتحتاج إلى عملية قيصرية لإنقاذ حياة الجنين، ووقَّعت السيدة في أول الأمر بالموافقة على العملية، إلا أنه عند حضور طبيب التخدير وعند رؤية السيدة لإبرة التخدير في يد الطبيب، رفضت إجراء العملية وطلبت توليدها طبيعياً، وعندما استفسر الأطباء من المحيطين بها وأفراد أسرتها، علموا أنها عادةً تصاب بالذعر من الإبر. 
وفي هذه القضية استجابت المحكمة لطلب الإدارة الطبية على أساس أن الخوف والذعر المرضي الذي تصاب به هذه السيدة عند تعرضها للإبر الطبية (Phobia) يسلبها القدرة على اتخاذ القرار فيما يتعلق بعلاجها، وبالتالي أمرت المحكمة بعلاجها حتى "ولو احتاج ذلك الأمر إلى استخدام القوة المعقولة". 

هل يدل الرفض غير المنطقي بالضرورة على عدم توفر الأهلية العقلية لدى المريض على اتخاذ القرار؟ 
هنالك حالات يؤدي فيها استخدام المريض لحقه في الموافقة أو الرفض إلى اتخاذ قرار يضر بمصلحته كما يراها الأطباء أو يجمع عليها الأشخاص الآخرون، ففي هذه الحالة هل يترك المريض وشأنه؟ الإجابة التي تتفق مع أسس ومبادئ الأخلاقيات الطبية كما هو معمول بها في الدول الغربية تقول بالإيجاب، لان ما يراه الطبيب – بل وكل الناس- نافعاً قد لا يراه المريض كذلك، وأن نفرض على المريض ما نراه نحن مفيداً أمر يتنافى مع مبدأ استقلالية المريض وحريته وحقه في اتخاذ القرار. ومع أن القانون لدينا لا يعطي للفرد الحق في أن ينتحر وينهي حياته، إلا أننا كمسلمين نؤمن بأن الشفاء والحياة والموت كلها بيد الله تعالى وأن العلاج ليس إلا أخذ بالأسباب قد يؤدي وقد لا يؤدي إلى الشفاء فالتداوي عند جمهور علماء المسلمين هو أمر يختلف الرأي بشأنه، والغالب أنه مباح ولكن الامتناع عن التداوي لا يعتبر في حد ذاته انتحاراً، وبالتالي فإن من حق المريض أن يتخذ القرار الذي يراه مناسباً، ما دام هو أهلا لاتخاذ القرار. وهناك بعض الجماعات الدينية التي لديها معتقدات لا تبيح لها تلقي علاج بعينه لا يرى به الناس الآخرون بأساً. مثلاً جماعة شهود يهوه(3) “Jehovah Witnesses” لا تبيح لأفرادها تلقي الدم المنقول ولو كان ذلك مطلوباً لإنقاذ الحياة، وبالتالي فإن من يرفض نقل الدم أو نقل الكلى إليه لأسباب عقائدية كهذه فينبغي ألا يعتبر لهذا السبب فاقداً للقدرات العقلية لاتخاذ القرار، بخلاف من يرفض العلاج لغير سبب واضح، فينبغي التوقف عند رفضه والتحري بشأن مقدرته العقلية. ومثال ما اتخذته محكمة بريطانية في قضية(4) تتعلق بسيدة حبلى في الأسبوع الرابع والثلاثين أدخلت للعلاج، وبدأت في تلقي العلاج بشكل طبيعي، ولكن بعد ذلك حضرت إليها أمها التي تنتمي –خلافاً لابنتها- إلى جماعة "شهود يهوه" وتحدثت معها طويلاً على انفراد وبعد ذلك أبلغت المريضة الممرضات أنها تنتمي إلى جماعة شهود يهوه، وأنها لذلك لا ترغب في أن ينقل إليها دم حتى ولو احتاجت إليه فيما بعد، ووقعت إقراراً بذلك، ولكن بعد ذلك حدث لها طلق مبكر وولدت جنيناً ميتاً، وعلى أثر ذلك حدثت لديها مضاعفات استوجبت نقل الدم إليها، ولكن الإقرار الذي وقعته حال دون ذلك، فتقدم والدها والذي لم يكن من جماعة شهود يهوه بطلب إلى المحكمة يطلب فيه الإذن للأطباء بنقل الدم إليها بالرغم من إقرارها، على أساس أنها لم تكن تنتمي إلى جماعة شهود يهوه كما ادعت في إقرارها بالامتناع عن نقل الدم إنما كان انقياداً لرغبة أمها في وقت لم تكن تملك فيه قرارها بتأثير الأدوية المخدرة. فقررت المحكمة الاستجابة لهذا الطلب على أساس أن المريضة لم تكن بالفعل تنتمي إلى جماعة شهود يهوه، بالرغم من أنها كانت في كامل قواها العقلية إلا أن إرادتها كانت مسلوبة بفعل تأثير الأم والأدوية المخدرة. في هذه القضية لو ثبت للمحكمة إن المريضة تنتمي إلى جماعة شهود يهوه، لكان القرار غير ذلك، احتراماً لمعتقدات المرضى.
ولعله من المفيد أن نذكر هنا بعض القواعد التي يطبقها المجلس الطبي البريطاني (BMA)(5) للاستدلال على أهلية المريض العقلية لإبداء الموافقة:
(1) أن يفهم المريض ما هو المقصود بالعلاج الطبي ولماذا يحتاج إليه؟
(2) أن يفهم المريض ولو بشكل عام طبيعة المعالجة المقترحة.
(3) أن يدرك المريض الفوائد الرئيسية والمخاطر الرئيسية التي تصاحب العلاج المقترح.
(4) أن يكون المريض قادراً على استيعاب النتائج التي يمكن أن تترتب على رفضه العلاج والبدائل المتاحة له.
(5) أن يكون قادراً على الاحتفاظ بالمعلومات في ذهنه.
(6) أن يكون قادراً على اتخاذ قرار مستقل وباختياره المجرد من أي تأثير خارجي. 
(7) بلوغ السن القانونية للرشد (الأهلية السنية للتصرفات Capacity) . 
فالأشخاص دون الثامنة عشرة لا يعتد بموافقتهم ويجب أن تصدر تلك الموافقة من وليهم الشرعي وفقاً لنص المادة (49) من القانون المدني القطري وهذا الحكم لم يأتِ به قانون ممارسة المهن الطبية الذي جاء خالياً من أي حكم يتعلق بالموافقة على العلاج كما أسلفنا، ولكنه يجيء استناداً إلى القاعدة العامة في القانون المدني – التي تطبق على القطريين فقط دون سواهم - حيث إن القانون المدني ينص في المادة (11) على أن "الحالة المدنية للأشخاص وأهليتهم يسري عليها قانون الدولة التي ينتمون إليها بجنسيتهم". 
ومؤدي ذلك لدينا أنه إذا كان المريض هندياً، فيرجع الطبيب إلى القانون الهندي لمعرفة ما إذا كان سن المريض يؤهله لإبداء الموافقة، وكذا إذا كان المريض أمريكيًا أو إيرانيًا أو مصرياً فيرجع إلى قانون بلده لتحديد أهليته السنية لإبداء الموافقة من عدمها على العلاج، وقد أخذ القانون المدني القطري بتلك القاعدة أخذاً بما عليه العمل في القانون المصري المستمد من القانون الفرنسي اللاتيني الذي يتخذ قانون بلد الجنسية مرجعاً، خلافاً لما هو معمول به في القانون الإنجليزي (النظام الأنجلوساكسوني) الذي يأخذ بقانون بلد الإقامة المستمرة أو الموطن المتخذ (Lex Domicili) أو قانون مكان التقاضي (Lex Fori)، والذي كان سيطبق بموجبه القانون القطري على جميع المقيمين بدولة قطر.