للضحك أصول


د. هدى النعيمي

مشهد رقم (1):
رجل في منتصف العمر، يقف في المطبخ بملابس البيت، يقدح الزيت في المقلاة، يترنم بأغنية عبد الحليم حافظ" نار يا حبيبي نار" يضع السمك في الزيت، يبتهج لسماع صوت الطشيش، يقلب السمك، يحس به ملتصقاً في المقلاة، يعجز عن تقليبه، يزداد التصاقه،يتفسخ،يهترأ، تختفي معالم كل سمكه وتتناثر في المقلاة قطعاً صغيرة، أين الخطأ ؟؟ ترتسم علامات الحزن والدهشة على وجه الرجل، يكتشف في النهاية أنه قد نسى أن يغمر السمك في الدقيق قبل قليه. يخبط جبهته براحه يده معلناً غباءه، وينتهي الأمر به جالساً أمام التلفزيون وأمامه طبق به قطعه من الجبن وبعض حبات الزيتون.

مشهد رقم (2):
سائراً في طريقه، متأنقاً بكامل ملابسه، وحقيبة رجال الأعمال في يده، ثابت الخطو، زائغ العينين، يتأمل النساء المتأنقات، تمر بجواره هيفاء ذات جسد ممشوق،يفكر لحظه ثم ينحرف ويدور متخذاً وجهتها،يسير خلفها على بعد خطوات، يتخطى المارة برشاقة حتى لا تبتعد عن ناظريه، فجأة وخلال استغراقه في تأمل الجمال الأنثوي،نسمع صوت ارتطام رأسه بأحد أعمدة الإنارة، يصرخ رغماً عنه، يلتفت البعض نحوه ولكنه وهو يدلك جبينه يقول بكبرياء " لم يحدث شيء " وأمام واجهه أحد المحال الزجاجية يتأمل جبهته وقد استقر في وسطها ما يشبه البيضة، وعندما يرفع حاجبيه يحس بألم شديد، فيكتم ألمه، ويقرر العودة من حيث أتى.
في هذين المشهدين، وفي العديد من المشاهد الكوميدية التي يحفل بها فن الأدب، كشف عن ظاهر اجتماعية مصورة بشكل فيه الكثير من فن الكاريكاتير. فالمشهد الأول قد يكشف خواء علاقة أسرية، والمشهد الثاني قد يكشف عن نفس الخواء أوعن أسباب أخرى، نفسية أواجتماعية. وهكذا هو فن الكوميديا، لأن الضحك فعل اجتماعي، ولا يتحقق للكوميديا نجاحها الفني إلا إذا كانت تفي بأغراض اجتماعية عامة، ذلك أنها تخفي وراءها فكرة تفاهم اجتماعي – بل تآمر !! ضد الناشزين عن المجتمع، والضحك هوالانتقام والقصاص الرادع لهؤلاء الناشزين. والعجيب أن الناس لا تردع بالضحك فاسدي الخلق وحدهم، وإنما تضحك أيضًا من السذج والبلهاء والغافلين حتى وهم في موقف المجني عليه. ذلك لأن الضحك ليس انتقامًا أخلاقياً، لكنه انتقام اجتماعي، والمجتمع لا يرحم السذج والمغفلين وفاقدي الشخصية،بل يقتص منهم لأنهم فاقدوالتكامل الاجتماعي. ورغم أن أساليب الإضحاك كثيرة فإن الفن الحق هوالذي يستخدم هذه الأساليب لنفع اجتماعي عام، وذلك أدعي لنجاحه فنياً وجماهيرياً،فمتى نرى فنوننا السينمائية والمسرحية وكوميديا الشاشة الفضية وقد وظفت كل منها كوميديتها لكشف الخلل في أوضاعنا الاجتماعية بغية تخطيها، وخلق نماذج سوية قادرة على أن تكون مثالاً وقدوة ؟ نحن بالتأكيد في مسيس الحاجة إلى تَرسم خطاها والنهل من مواردها.