|
فالأشخاص الذين دون الثامنة عشر لا يعتد بموافقتهم ويجب أن تصدر تلك الموافقة من وليهم الشرعي وفقاً لنص المادة (49) من القانون المدني القطري وهذا الحكم لم يأتِ به قانون ممارسة المهن الطبية الذي جاء خاليًا من أي حكم يتعلق بالموافقة على العلاج كما أسلفنا، ولكنه يجيء استناداً إلى القاعدة العامة في القانون المدني – التي تطبق على القطريين فقط دون سواهم- حيث أن القانون المدني ينص في المادة (11) على أن "الحالة المدنية للأشخاص وأهليتهم يسري عليها قانون الدولة التي ينتمون إليها بجنسيتهم".
ومؤدي ذلك لدينا أنه إذا كان المريض هندياً، فيرجع الطبيب إلى القانون الهندي لمعرفة ما إذا كان سن المريض يؤهله لإبداء الموافقة، وكذا إذا كان المريض أمريكيًا أو إيرانيًا أو مصرياً فيرجع إلى قانون بلده لتحديد أهليته السنية لإبداء الموافقة من عدمها على العلاج، وقد أخذ القانون المدني القطري بتلك القاعدة أخذًا بما عليه العمل في القانون المصري المستمد من القانون الفرنسي اللاتيني الذي يتخذ قانون بلد الجنسية مرجعًا، خلافاً لما هو معمول به في القانون الإنجليزي (النظام الأنجلوساكسوني) الذي يأخذ بقانون بلد الإقامة المستمرة أو الموطن المتخذ (Lex Domicili) أو قانون مكان التقاضي (Lex Fori)، والذي كان سيطبق بموجبه القانون القطري على جميع المقيمين بدولة قطر.
وبالطبع فإن تطبيق القانون الخاص بجنسية كل مريض لتحديد ما إذا كان أهلاً لإعطاء الموافقة أمر ينطوي على صعوبة بالغة وسوف يؤدي تطبيقه إلى مفارقات وفروقات بين المرضى، في بلد يضم مقيمين من بضع وثمانين بلداً في العالم، والحل الأمثل لذلك هو تطبيق شروط الأهلية المنصوص عليها في القانون القطري على الجميع، وذلك بإدخال نص خاص بذلك في قانون مزاولة المهن الطبية المعروض حالياً على مجلس الوزراء، إذ لا يستقيم أن يكون هناك مرضى في سن معينة لهم حق إبداء الموافقة من عدمها على العلاج، ومرضى آخرين من ذات السن لا يملكون ذلك الحق بسبب الاختلاف في قوانين الأهلية المدنية المطبقة في مختلف بلدان العالم. وبالرغم من علمنا أن غالبية دول العالم تتخذ من سن الثامنة عشر حدًا أدنى لتلك الأهلية، ولكن من أين لإدارة المستشفى أن تطلع على قوانين الأهلية المدنية وقوانين ممارسة المهن الطبية التي ربما تعتمد سنًا أقل من ذلك لاتخاذ القرارات الطبية؟
على أي حال فإن القانون القطري قد حدد سن الرشد بثمانية عشر سنة ميلادية، ولكن هذا التحديد أيضاً يخلق إشكالا من نوع آخر، فهذه السن قد تكون مناسبة لاتخاذ قرارات تتعلق بالأمور المالية المدنية والتجارية، ولكن قد لا تكون كذلك بالنسبة لاتخاذ قرار يتعلق بعلاج الشخص نفسه وما يترتب على صحته وسلامته الشخصية خصوصًا وأن الشباب اليافعين في هذا الزمان أصبحوا، بفضل انتشار الوعي والتثقيف الصحي، وتوفر المعلومات المتاحة على وسائل الإعلام المختلفة، أكثر قدرة على استيعاب المعلومات الطبية التي يقدمها الطبيب، وبالتالي قد يكونون أكثر قدرة على اتخاذ القرار الصحيح من أولياء أمورهم، خصوصًا إذا كان ولي الأمر محدود التعليم أو الإلمام بالأمور الطبية، فإن ابن السادسة عشر أو السابعة عشر في هذا الزمان يكون على أعتاب الدراسة الجامعية إن لم يكن قد ولجها بالفعل، فكيف يتخذ القرار بالنيابة عنه وهو الذي يتخذ القرار بشأن تعليمه الجامعي ومستقبله، بل إن الفتاة يمكن أن تتزوج وهي في سن السادسة عشر، فكيف لا يكون لها الأهلية السنية وهي في تلك السن لاتخاذ قرار بالموافقة – أو عدمها- على العلاج ؟ كما أن المسؤولية الجنائية يمكن أن تترتب في سن دون الثامنة عشر فكيف نعتبره أهلاً لأن يسأل جنائياً ويعاقب، ولا نعتبره أهلاً لأن يتخذ قرارات تتعلق بصحته وسلامته ؟ أن هذا الأمر يمكن أن يؤدي لنشوء أوضاع شاذة، فيطلب –مثلاً- من مرضى شباب بالغين ومتعلمين وعلى مستوى من الوعي أن يستدعـوا "ولي أمرهم" لكي يوافق على علاجهم بالنيابة عنهم!
وتجدر الإشارة هنا إلى أن القانون الإنجليزي يجعل من كل شخص قاصر بلغ السادسة عشر أهلاً لإعطاء الموافقة على العلاج عن نفسه بل وذهبت المحاكم الإنجليزية إلى أبعد من ذلك فقضت بأنه في حالة القصر الذين هم دون السادسة عشر لا حق للوالدين في اتخاذ القرار المتعلق بالعلاج بالنيابة عن القاصر إذا كان ذلك القاصر على مستوى كافٍ من الفهم والنضج يمكنه من استيعاب العلاج المقترح (6).
هل تحتاج المرأة إلى ولي أمر أو استئذان أحدٍ لاتخاذ القرارات المتعلقة بمعالجتها؟
خلافاً للانطباع السائد لدى كثيرين – ومنهم من يعملون في المهن الطبية - فإن المرأة العاقلة الراشدة لها أن تتخذ القرارات المتعلقة بها بنفسها، وهي تملك الحق في ذلك دون وصاية أو إملاء من أحد، حتى القرارات المتعلقة بأمور الإنجاب مثل الموافقة على العملية القيصرية أو ربط الأنابيب أو استئصال الرحم، هذا من الناحية القانونية البحتة، فلا أحد يملك أن يوقع نيابة عن المرأة إلا إذا فوضته في ذلك أو كانت في حالة لا تسمح لها باستيعاب المعلومات المقدمة لها واتخاذ القرار أو دون الثامنة عشر. ولكن ما جرى عليه العمل في جميع المرافق الطبية هو إشراك الزوج – بل وأفراد الأسرة الآخرين- في عملية اتخاذ القرار، وليس هذا الإجراء بمطلب قانوني حيث إن المرأة هي التي توقع بالموافقة ولكنه أمر تمليه الظروف الاجتماعية ومراعاة الجانب الأسري للمريض، وهذه المشاركة مفيدة من عدة نواحٍ:
أولاً: أنها تهدف إلى تشجيع المرأة وشد أزرها وتلطيف ما يقترحه عليها الأطباء ورفع معنوياتها.
ثانياً: إكمال الشرح والتوضيح، حيث إن ما يعسر على المرأة فهمه وتستحي من أن تسأل عنه الأطباء يمكن أن يوضحه لها زوجها وأفراد أسرتها.
ثالثاً: تفادي حدوث خلافات عائلية قد تؤدي إلى الطلاق بين الزوجين إذا انفردت الزوجة باتخاذ القرار، وكانت نتائج ذلك القرار مؤثرة على الحياة الزوجية وسالبة لحقوق الزوج في الإنجاب والمعاشرة الزوجية، نحو عملية ربط الأنابيب أو استئصال الرحم أو حتى الولادة القيصرية. فإذا تمت مفاتحة الزوج بالإجراء الطبي المقترح إجراؤه على زوجته، والأسباب التي تدعو إليه، والبدائل المتاحة، والنتائج التي ستترتب على الرفض، فإن الزوج سيكون أكثر تفهماً وتقبلاً للوضع الجديد.
ولكن من المهم جداً التأكيد على أن القرار هو قرار المريضة نفسها وليس زوجها أو أبوها، وأن الطبيب والمستشفى ليس عليهما واجب قانوني بأخذ موافقة الزوج أو الأخ أو الأب طالما كانت الزوجة بالغة عاقلة.
رابعاً: إشراك الزوج والأسرة له أيضًا فوائد قانونية، حيث إنه يمكن أن يؤدي إلى تفهمهم ووقوفهم بجانب القرار الذي أقترحه الأطباء ووقعت عليه المريضة، وقناعتهم بصحته بحيث لا يدّعي الزوج أو الأهل أو حتى الزوجة نفسها فيما بعد بأنهم لم يكونوا يعلمون بالمضاعفات التي يمكن أن تحدث أو يدّعوا أن المريضة قد تم تضليلها، فيما لو حدثت تلك المضاعفات بعد العملية، أو اختلف الزوجان بسبب النتائج المترتبة على الإجراء الطبي، وبالرغم من أن الزوج لا يملك الحق القانوني في أن يوافق أو يرفض، ولكن إذا نجح الأطباء في إشراكه في اتخاذ القرار فإنه بوسعهم إغلاق الحجة عليه لتفادي أي مشكلات يمكن أن يثيرها فيما بعد، حتى ولو لم تصل تلك المشكلات إلى منصة القضاء.
التضارب بين مصلحة الجنين ومصلحة الأم
هل يحق للمرأة أن تطلب أو توافق على إجراء طبي يمكن أن يلحق الأذى بجنينها الذي لم يولد بعد؟
الجنين بوجه عام ليس أهلاً لاكتساب الحقوق الشخصية في مواجهة أحد إلا إذا ولد حيًا. هذا مبدأ تتفق عليه الشريعة الإسلامية والقانون الإنجليزي، هذا بالطبع فيما عدا تلك الحقوق المتعلقة بالميراث في الشريعة الإسلامية، ولكن حتى هذا الحق يبقى معلقًا إلى حين تحقق وجود الجنين بولادته حيًا"واستهلاله صارخاً" كما يطلب الفقهاء، ولذلك أجاز الفقهاء التدخلات العلاجية التي تحتاج إليها الأم حتى ولو أضرت بالجنين إذا وافقت الأم على ذلك، وبالطبع فإن الأمر يتطلب الموازنة ما بين المصلحة التي تتحقق للأم والضرر الذي سيلحق بالجنين، ولكن القرار دائمًا بيد الأم، وفي الحالات التي يكون فيها التدخل مطلوبًا لإنقاذ حياة الأم من خطر محقق، فإنه يجوز إجهاض الجنين حتى ولو كان جنينًا مكتملاً نفخت فيه الروح، لأن الموازنة هنا بين حياة متحققة وموجودة هي حياة الأم، وحياة أخرى لم تتحقق بعد هي حياة الجنين.
وفي الفقه الطبي والأخلاقي الغربي هناك نزاع حاد ومزمن لم يحسم بعد بشكل نهائي في الولايات المتحدة وبريطانيا بين أنصار الجنين (Pro-Lifers) وأنصار الإجهاض Pro-Choicers) (وهو خلاف في جوهره بين حق المرأة في أن تقرر ما يُفعل بجسدها بحرية، وحق الجنين في أن يبقى ويخرج إلى فسيح الحياة، وهو خلاف فلسفي اكتسب صبغة سياسية ولازلنا نشهد فصولاً منه كلما حل أوان الانتخابات الرئاسية والبرلمانية على جانبي الأطلسي.
ولكن في بلادنا هذه فإن التعبير عن حقوق المرأة بشكل عام لا يأخذ هذه الحدة، وتلك النزعة الفردية نظراً لعدة عوامل أهمها التماسك الأسري وكون المرأة هي نواة الأسرة وأن شأن معالجتها لا يهمها هي فقط وإنما يهم الأسرة جميعها، وكذلك لأن مستوى الوعي والإلمام والثقافة الطبية لدى عامة النساء لا يزال متدنٍ وتحتاج للاستعانة بالآخرين من حولها ليدلونها على القرار الصحيح، فلا تنفرد هي به، بل كثيرًا ما يحدث أن تترك إلى زوجها أو أحد أقربائها الذكور مهمة التعامل مع الأطباء وتوقيع الأوراق حتى ولو كانت قادرة على أن تفعل ذلك بنفسها.
من هم أولياء المريض ؟
في الحالات التي يكون فيها المريض غير أهل لاتخاذ القرار إما لكونه قاصرًا أو غير متمتع بقواه الإدراكية، في هذه الحالة ينتقل هذا الحق إلى أولياء أمره القانونيين هذه هي القاعدة في الدول والمجتمعات الإسلامية، أما في دول الغرب، بريطانيا والولايات المتحدة خصوصاً فيتعين على الأطباء اتخاذ القرارات اللازمة التي تحقق مصلحته المثلى كما يرونها هم، ويتعين على أسرة المريض إذا أرادوا التدخل أن يلجأوا إلى القضاء.
فمن هم أولياء المريض لدينا ؟
وفقًا للفتوى الصادرة من المراجع الشرعية في دولة قطر فإن ترتيب أولياء المريض فيما يتعلق باتخاذ قرارات العلاج هم بالترتيب التالي:
1/ الزوج بالنسبة للمرأة المتزوجة,2/ الابن,3/ الأب,4/ الأم,5 / الجد لأب, 6/ الأخ, 7/ العم, 8/ ابن العم, 9/ أقرب الأقربين المتواجدين.
وليس هناك متطلبات شكلية فيما يتعلق بممارسة الولي لصلاحيات الموافقة سوى توقيع نموذج الموافقة الذي يعرضه عليه الطبيب بعد تقديم الشرح الكافي كما سيرد فيما بعد، ولكن إذا نشأت ظروف لم تسمح للطبيب بأخذ الموافقة الخطية، كما يحدث أحيانًا حين يتضح للطبيب أثناء الجراحة أنه يحتاج لاستئصال عضو أو اتخاذ إجراء أخر لم يكن في الحسبان قبل شق بطن المريض ولم تؤخذ الموافقة بشأنه، ففي هذه الحالة يمكن للطبيب أن يوقف سير العملية – إذا كان ذلك ممكنًا- ويتحدث مع ولي أمر المريض ويحصل على موافقته شفهياً ويدون ذلك في الملف فيما بعد، أما إذا كانت الحالة عاجلة ولم تسمح فلا بأس بأن يقوم بالاستئصال المطلوب ويخبر ولي الأمر فيما بعد، طالما أن هذا الإجراء كان مقصودًا منه مصلحة المريض.
وينبغي الإشارة إلى أن حق الولي في اتخاذ القرار ليس حق مطلق كحق المريض البالغ العاقل نفسه، فهناك ظروف وأحوال قد تتدخل في كيفية اتخاذ الولي لهذه القرارات، فتنحرف بها عن مسار المصلحة المطلقة للمريض، ومثال ذلك: هناك أحوال لا يكون فيها الأب والأم حريصين على بقاء ابنهما على قيد الحياة إذا كان مشوهًا أو يعاني من عيب خلقي خطير، وهناك أحوال أخرى يرغب فيها أقارب المريض في إنهاء معاناته إذا علموا أنه ليس لها شفاء، بل هناك أحوال نادرة يكون فيها المريض وأفراد أسرته على خلاف حاد وعميق إلى الدرجة التي يضمر له فيها هؤلاء الأقارب الشر، أو أن لديهم مصلحة مباشرة في وفاته ( للحصول على إرث مثلاً).
فماذا يفعل الطبيب في هذه الحالات إذا شعر بحدسه وفطنته أن أقارب المريض لا يتصرفون وفق مصلحته، ويتخذون قرارات قد تكون ضارة به ؟
مثل هذه الحالات تعتبر شاذة ونادرة ولكنها تحدث في كل مجتمعات العالم، فالنفس البشرية أمارة بالسوء وليست منزهة عن الخطأ، لذا في هذه الأحوال ينبغي على الطبيب أن يبلغ الإدارة بذلك، وتقوم الإدارة بإبلاغ قاضي المحكمة الشرعية (دائرة شؤون الأسرة في الوقت الحاضر) لأنه في مثل هذه الحالة ربما يكون الولي قد فقد صفة الائتمان على مصلحة المريض، وبالتالي ينبغي عزله من قبل القاضي ويتولى القاضي إصدار القرارات المتعلقة بالمريض، لأن القاضي عند المسلمين"هو ولي من لا ولي له"، وذلك بعد استدعاء الولي واستجوابه بشأن تصرفاته، ويصدر القاضي القرارات اللازمة التي تحفظ مصلحة المريض أو ربما يفوض الأطباء في أن يتولوا علاج المريض بما يرونه محققًا لمصلحته الفضلى. ولنا عودة.
(6) /Gillick v.West Norfolk and Wisbech Area health Authority: -1985- 3 All ER 402
ويطلق على القصر الذين يقل عمرهم عن السادسة عشر ويكونون على مستوى من الوعي والنضج ويمكنهم من اتخاذ القرارات الطبية”راشدي جيليك” (Gillick s Competens) باسم هذه القضية.
|