|
حكاية فارس دراج
د. محمد وليد الشعراني
استشاري جراحة العظام والكسور مؤسسة حمد الطبية
لماذا سخَّنتِ الحليب؟
ولكنكَ دائماً تشربَهُ حاراً يا ولدي!
اليوم أريده بارداً، متى ستفهموننا؟ ولم علينا أن نعاني منكم؟
لا عليكَ يا حبيبي سأحضرُ لك حليباً بارداً.
لا أريد.
ولكنك لم تأكل، على الأقل اشرب شيئاً قبل خروجك.
أحضري كولا.
يا ولدي هذه لن تفيدك.
كالعادة يسرع خالد متأففاً إلى غرفته صافعاً الباب خلفه.
مرةً أخرى يترك أمه تتخبط بمزيج من المشاعر المتناقضة: متى سيصير رجلاً شهماً
نبيلاً مثل أبيه رحمة الله عليه، لوكان له أخوةً أوأخوات هل كانوا ليتصرفوا مثله.
هل سيتحسن في دراسته.
١٦ سنة أهوعمر قاسي على الأهل، وهل ستدوم هذه المعاملة التي لا تراعي الأصول
ولا القيم، لم لا يتصرف معي كما أمره الله والرسول؟
وتسرح هذه الأم المتوترة التي لا حول لها ولا قوة، تبحث عن مخرج، فتجد كل الطرقات
في أفكارها قد سدت، فقد سبق وأن استكشفتها جميعًا دون فائدة.
وبقى في ذهنها طريق باهت من الأمل، يدغدغ عاطفتها الجريحة.
كانت كنمرةٍ عالقةٍ في شباك صياد غائب، ترى الحرية أمامها ولا تطالها، وكلما حاولت
التحرر من الشباك علقت بها أكثر.
وعندما تهدأ، ترى الحرية أمامها لأنها حولها، وإذا حاولت الهروب من جديد تدرك
أنها أسيرة لوضع كئيب. وهكذا كانت أفكارها مثل الشِباك، كلما حاولت النمرة التخلص
والتملص منها، تجد أنها تأسرها وتسيطر عليها، فتقيدها وتعذبها أكثر فأكثر.
قبل الغروب انطلق خالد وبعض من صحبه على دراجاتهم النارية.
وهذا هوالوقت المثالي لوجود عدد كبير من الناس الذين يتحولون قسرًا إلى
مشاهدين وإلى جماهيرٍ من المضطرين، فيحسبهم الدرّاجون مغرمون وهم في الواقع مرغمون.
تبدأ استعراضات الشوارع المجّانيّة التي لا تعرف المسؤولية ولا النظام.
ولأن الممثلين يفتقدون للوعي وحتى للتدريب الصحيح، فإنَّهم يعوضون هذا النقص
بالسرعات الفائقة وإصدار الأصوات القويَّة المزعجة، وذلك للفت الانتباه وخطف
الأنظار.أما الدخول المفاجئ بين السيّارت الآمنة وترويع السائقين فهوتصرف طبيعي
بالنسبة لهم.
بعد الانتهاء من هذه العروض وغيرها من الحركات الخطيرة وغير المبرْرة، يتجمع
الدرّاجون مرةً أُخرى بخوذاتهم اللامعة وثيابهم الجلديّة الملفتة للنظر ودرّاجاتهم
الناريّة الهائلة، فيجدون قوةً إضافيةً في كثرتهم، ثمَّ ينطلقون بهدوء وطمأنينة بين
الناس وذلك لكي يعطوا أنفسهم المكافأة المهدوفة وهي تمكين النّاس من التمعن بهؤلاء
الأبطال الشجعان.
بهذه العقول المشتّتة يرون نظرات السخط والازدراء على أنّها تقدير وإعجاب،
أمّا التأفف فهوحسدٌ وغيرة. تجول في خواطرهم أفكارٌ مماثلة لما كان يدور في خلد
فرسان العرب، وذلك إذا ما ثار النقعُ وحمي الوطيس واحتدم القتال.
وهم أيضًا كانوا يرتدون الخوذات البرّاقة،ولكن مع الفارق المتناقض الكبير في
القيمة والقيَم العليا لفرسان العرب الذين رددوا عن جدارةٍ وبرهان:
ومدججٍ كرهَ الكماة نزالهُ
لا مُمْعنٍ هربًا ولا مستسلمِ
لقد كانت القبائل العربية تتفاخر بشبابها الذين استحقوا أعلى درجات التقدير
والاحترام، فنالوا الثقة المطلَقة، وتفاخر بهم القوم واحتاروا كيف يمدحونهم.
لوكانَ في الأَلفِ واحدٌ مِنَّا فَدَ
عوا مَن فارسٌ خالَهم إيّاهُ يَعْنونا
البطل الحقيقي الذي يستحق الإعجاب هوصاحب المبادئ والقيم والأهداف السامية النبيلة،
وليس اللعوب المتهور والمستهتر بنفسهِ وبالآخرين.
ترى ماذا يدورُ في نفس فارسنا المزيف حين ينطلق بدرّاجته كالرصاصة الخارقة، وكيف
يفكرُ من جعل صحتهُ وحياتهُ وأرواح الآخرين رهانًا رخيصًا مقابل استهتاراته
وفزلكاته التافهة.
مشكلته أنه لم يدرك الخطأ الجسيم الذي يقترفه، ولسوء حظِّه العاثر جعل لنفسه
شأنًا زائفًا وعرشًا واهيًا على آلات الهلاك.
فاستشعرَ بطولةً غائبةً كالسراب، جعلته وبتفكيره الساذج يستخف ويحتقر مشاعر
وكيان من حوله مرددًا في أعماقِهِ:
ماشياً على نعليهِ ما أحقره
هديرُ ركبي من أخبره
يظنني صخرًا أوعنتره
مهيبٌ بالبطولةِ ما أكبره
وآسرٌ للقلوب ما أفخره
ما ركبَ لهوًا أومسخره
حمايةُ القومِ من أجبره
ضجيجٌ شديد وتنطفئ كل هذه الأفكار، وتنقلب الصور،وتتبعثر المَشاهد، ولوهلة يعمُّ
صمتٌ عميق، ويبتلع المكان سكونٌ رهيب.
تتوقف الحركةُ تمامًا، إلا الدم المتدفق من الدّراج ينساب بهدوءٍ من الجسد
الهامد. ثمَّ يتغيرُ المشهدُ سريعًا، فيكسرُ الصَّمتَ الرهيب تكبيرُ وصراخُ
المارَّة، وتعود الحركةُ معَ اندفاعهم نحوَ الدرَّاج الذي حطَّّمَ وتحطمَ بالسور،
محاولين بعشوائيَّةٍ ملحَّةٍ إنقاذ هذا الشاب المسكين.
إلا أنَّ الروح أبت إلا أن تتخطَّى الجسد. ويتصادف مرور أقاربٌ لوالدةِ خالد،
وسط صدمةٍ كبيرةٍ وذهولٍ شديدٍ يتعرفون عليه، ثمَّ يتجسدُ السؤال الصعب والملِحّْ :
من سيخبرُ الأُم؟
|