الحـب والطـب


نـــــــاجي الســــــــبع مساعد إخصائي – قسم العلاج الطبيعي
 

 

يتفق البعض على أن الحب هو أجمل شئ في الوجود وأن حياتنا وأرضنا والكون الواسع الذي ننتمي إليه قائم على أركان الحب المختلفة، أركان وأسس وضعها الله تبارك وتعالى صانع وزارع الحب الأول في مخلوقاته الكثيرة المتنوعة ويتفق آخرون بل يكاد يجمع كل الناس على أن الطب بعلومه المختلفة هو الوسيلة الوحيدة والمتاحة أمامهم للتداوي والاستشفاء، فياترى ماهي العلاقة بين شعور معنوي عظيم كالحب وبين وسيلة عملية تطبيقة للشفاء من الأمراض؟ قد نجد إجابة هذا التساؤل من أبواب معرفية متعددة ومختلفة إلا أنني أفضل أن أستخرجها من تراثنا الإسلامي فهو الطريق الأسلم والأوثق للوصول للحقيقة، فقد جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية مايثبت أن الإنسان مكون من جزئين الأول: جزء معنوي غير مرئي يعبر عنه بالنفس والجزء الآخر: جزء مادي مرئي يعبر عنه بالجسد وأن كل منهما يؤثر ويتأثر بالآخر بسبب الارتباط العضوي بينهما،.
 والمتأمل للآيات القرآنية والأحاديث النبوية يجد أنها تعلي من شأن النفس على حساب الجسد وأن النفس لها الريادة والقيادة والأهمية الأكبر في مسيرة الإنسان العامة والخاصة وأن الجسد ما هو إلا وسيلة للتعبير عن شجون وشؤون النفس، قال الله تعالى: ‭{‬أن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم‭}‬ (سورة الرعد:11) وقال تعالى: ‭{‬ونفس وماسواها . فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها‭}‬ (الشمس: 7-10).
 ويعبر القرآن الكريم أحيانا عن الإنسان وكيفية حياته في الدنيا والآخرة بالنفس كما أنه يعبر عن الحياة بمفهومها الواسع بلفظة النفس دون الجسد ‭{‬من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا‭}‬ (المائدة :11).
 فإذا كانت النفس البشرية تحتل هذا الدور الخطير في مصير الإنسان الدنيوي والأخروي فإن من المنطقي أن يتوجه الناس كافة إلى تطهير نفوسهم قبل أجسادهم فالنفس هي الأصل والركن الذي يعتمد عليه الجسد في خطواته نحو الحياة، وفي ذلك يقول الأديب الكبير ميخائيل نعيمة: (عجبت لمن يغسل وجهه مرات ومرات في اليوم ولايغسل قلبه ولو مرة في السنة) وديننا باعتباره منهجاً متكاملا للحياة فإنه يطرح حلولا وطرقاً لتطهير النفس وتنقيتها من كل مايسيء إلى حالها ويكدرها وأبرز هذه الحلول هو التخلص من المشاعر السلبية بأخرى إيجابية قال الله تعالى: ‭{‬إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم‭}‬ (فصلت:34).

النظرة إلى الحب

ولعل أبرز المشاعر والأفكار التي يطرحها الإسلام هو الحب بكل درجاته المختلفة والذي يبدأ بحب الله عزوجل ولاينتهي عند حد أو درجة أو مرحلة ،فالحب شعور واسع كبير سرمد لانهاية له، يقول الله تعالى في كتابه المجيد: ‭{‬قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله‭}‬ (آل عمران: 31)، وجاء على لسان رسولنا الكريم حديث: (تهادوا تحابوا) فالوسيلة في هذا الحديث الشريف هو التهادي، والغاية والهدف من التهادي هو الحب، وجاء في رواية أخرى عن النبي [: (تهادوا فإن الهدية تضعّف الحب) فالمراد من هذه الرواية ليس تواجد الحب فقط بل مضاعفته و زيادته.
والإنسان الذي يحب حباًً صادقاً حقيقياً يعزز ويرتفع بالمشاعر الإيجابية في نفسه وبالتالي في أفعاله وكلامه مما ينعكس إيجابيا على جسده وعقله فتجد ذلك الإنسان متسامحا عادلا نبيلا مخلصاً شجاعاً حليماً ومتفهماً وقادراً على التعامل مع صعوبة الحياة ومشاغلها بإيجابية وبهدوء يحسد عليه، فالحب في هذه الحالة أشبه بفلتر يومي يقوم على تنقية الإنسان مما يسوءه ويقلقه ويكدر مزاجه العام.


الحب علاج

 وفي الغرب يتزايد الاهتمام بأسلوب جديد في معالجة الأمراض وهو العلاج بالفروض الدينيـة (hierotherapy) الذي يرتكز على تعزيز مشاعر الحب والإيمان بالله عزوجل، وفي إيطاليا أظهر مسح نشرته مجلة متخصصة بشؤون التغذية والصحة العامة أن الحب هو أنجح وسيلة للتخلص من الوزن الزائد، وقالت مجلة ديما غرير (إنقاص الوزن) إن الحمية الغذائية لم تعد ضرورية لأصحاب الكروش والأوزان الزائدة فالحل صار منذ الآن بيد الحب شريطة أن يكون صادقاً، وأشارت المجلة إلى أن ثمانية من كل عشرة إيطاليين وجدوا أن الوقوع بحب جديد هو أفضل طريقة للرجال والنساء للوصول إلى شكل الجسم المناسب، موضحة أنها تحدثت إلى 74 خبيرا في مجال إنقاص الوزن أثناء الإعداد للاستطلاع، وقال خبيراً التغذية إيميلتو داميسيس إن الشوكولاته والحلوى والنشويات الأخرى تنشط المواد الكيمائية التي تنقل الإشارات العصبية وتسبب إحساسا عاما بالسعادة لكنها تؤدي أيضا إلى تراكم السعرات الحرارية وأضاف قائلا: إذا كان الحب يجلب نفس الشعور بالسعادة فلن يحتاج المرء إلى هذه الأغذية لتحقيقها.
إلا أن آثار النحافة بسبب الحب لاتدوم إلى الأبد، إذ أظهرت المجلة أن ثلث الإيطاليين يرتفع وزنهم بعد الزواج في حين يعود وزن 23% منهم إلى الزيادة بعد إنجاب الطفل الأول، ولاتعاني قلة تبلغ 12% من تجدد زيادة الوزن، وهذه الدراسة وإن أجريت في إيطاليا إلا أن تطبيقها ممكن لأنها قائمة على أصل واحد هو الإنسان، مع مراعاة أن تحليل الخبير الإيطالي المذكور ينطبق على الذين تصاحب علاقتهم السعادة والاستقرار العاطفي.
ولكن قبل أن نمارس فن الحب ونشرع فيه، ماهو الحب وماطبيعته وتعريفه وماهي علاماته وهل هو أنواع عديدة أم أنه جنس واحد ولكن متعدد الدرجات يمر بمراحل وأطوار؟، وماذا قال علماء الدين المسلمين عن الحب؟ وكيف كان موقفهم؟ وهل تنوعت آرائهم في هذا الشأن أم لا؟ وماذا قال غيرهم؟ هذا ما أحاول مناقشته في المقالات القادمة ، ولعل هدفنا من هذه الدراسة حول الحب والطب هو أن نجد تفسيراً علمياً لسر الغمغمة والهمهمة و(التأتأة) إذا جاز التعبير عندما يتحدث المحب إلى محبوبه لأول مرة!
وللحديث بقية