النيـل في أشــعارأبنــاء جنــوب الوادي


إســــــمــاعـيــل الـبـشــــــــير عــلــي
إدارة الإعلام - مؤسسة حمد الطبية


لا يزال النيل الخالد يمثل مصدر إلهامٍ لا ينقطع للشعراء والأدباء، ومادةً خصبةً لنظم القريض ونسج القوافي واستنطاق القرائح، وذلك لما له من سحر آسر، وجمال أخَّاذ، وطبيعة خلابة، ولما يفيض به من الخصب والنماء والخير العميم، فضلاً عن الرباط الوجداني الوثيق الذي يربط أبناءه به ويشدهم إليه ويغرس في حناياهم حبه والانتماء إليه.
ولا يكاد يخلو ديوان شاعر من أبناء وادي النيل، بشطريه الشمالي (مصر) أو الجنوبي (السودان) من قصيدة تتغنى بالنيل، حتى لقب بعضهم به ونسب إليه، مثل الشاعر المصري حافظ إبراهيم، الذي يلقب بشاعر النيل. ولعل من أشهر القصائد التي نظمت في النيل رائعة شوقي التي يقول في مطلعها:
 


مِنْ أَيِّ عَـهْــدٍ في القُرَى تَتَدَفَّـــقُ
وبِأَيِّ كَفٍّ فـي الـمَدَائِنِ تُغْدِقُ
ومِنْ السَّمَاءِ نَزَلْتَ أَمْ فُجِّرْتَ مِنْ
عُـلْيَا الـجِــنـَانِ جَـدَاوِلاً تـَتَرَقْرَقُ
 



ونحن اليوم، عزيزي القارئ، بصدد استعراض ما نظمه أبناء جنوب الوادي، أو النيل الأعلى، أو بلاد النيلين من قصائد تتغنى بالنيل، وتدندن بعشقه، وتترجم خفقات أمواجه شعرًا يبقى خالدًا على مر الجديدين.ولقد ألف الأديب والناقد السوداني د. فتح الرحمن حسن التني كتابًا في ذلك سماه النيل في الشعر السوداني. وحيث إن المجال لا يتسع لاستقصاء كل ما نظم من شعر في هذا الغرض، فإننا سوف نكتفي بقصيدتين إحداهما لشاعر من جيل الرواد الأوائل، هو التيجاني يوسف بشير، وشاعر آخر من جيل النضال ضد الاستعمار، هو إدريس جماع.
أما التيجاني فهو من الرعيل الأول من شعراء السودان، أمثال العباسي والبنا وأحمد محمد صالح وحمزة الملك طمبل. ولد التيجاني في أم درمان (بحي الكتيَّاب) عام 1912م، وتلقي تعليمه الأولي بخلاوي القرآن هناك، ثم درس بالمعهد العلمي بأم درمان، الذي أصبح بعد ذلك نواة لجامعة أم درمان الإسلامية القائمة حتى اليوم، وكان شاعرًا وأديبًا وكاتبًا وصحفيًا، ونابغة من نوابغ عصره، ولكن المنية لم تمهله طويلاً فتوفي في رعيان شبابه عام 1937م، وعمره لم يجاوز الخامسة والعشرين. والتيجاني من رواد الشعر التجديدي في السودان، وقد امتاز شعره بصوفية عميقة وخيال بديع، فهو يمازج بين الجمال الإلهي والجمال الطبيعي والجمال البشري، مع دقة في التصوير وعمق في المعاني والمضامين. وقد قال عنه أحد النقاد العرب: ".. فلو أن القدر أمهله حتى يبلغ سن الأربعين، ما كنت لتجد عبقريًا من الجن يفري فريه في مضمار الشعر التجديدي". أما الأديب السوري أحمد قَبِّش صاحب كتاب تاريخ الشعر العربي الحديث، فقد صنف التيجاني على رأس مدرسة شعرية سماها باسمه (المدرسة التيجانية)، يأتي تحت لوائه فيها ثلاثون شاعرًا عربيًا منهم أبو القاسم الشابي، ومحمود شوقي الأيوبي، وحسن عبد الله القرشي، وعلي محمد الرقيعي، وإبراهيم هاشم الفلالي.
يقول التيجاني في مطلع قصيدته التي أسماها (في محراب النيل) من ديوانه إشراقة، واصفًا النيل بأنه نبع متدفق من جنات الفردوس والخلد، تحفه الملائكة، وتحمله في أحضانها، وترفرف فوقه بأجنحتها الخضراء، وتمزج ثيابها النورانية في عبابه الوضيء:
 


أَنْتَ يَا نِـيلُ يا سَـلِـيلَ الـفَرَادِيـسِ
نـَبِــيــلٌ مُـــوَفَّــــــــقٌ فـي مَـــسَـــــــابِـكْ
بَيْنَ أَوْفَـاضِـكَ الْـجَـلالُ فمَرْحَى
بالْجَـلالِ الـمُفِيـضِ مِن أَنْسَابِكْ
حَضَنَتْكَ الأَمْلاكُ في جَنَّة الخُلْدِ
ورَفَّـــــــتْ عــلـَى وَضِــــيءِ عُـــــبَــابـِكْ
وأَمَدَّتْ عَلَيْكَ أَجْـنِحَـــــــــةً خُـضْـــرًا
وأَضْــــفَــــتْ ثِـيَـابَـها فـي رِحَـــــابِـك
 


ثم انتقل الشاعر ليصف لنا كيف أن النيل العظيم قد أحال بلادنا إلى جنة وارفة الظلال بانسيابه فيها على مر الحقب والآباد، وكيف أن أروع صفحات تاريخ أرضنا قد كتبت على شطآنه وحول ضفافه، ثم خلص إلى تصوير النيل كعجيبة من عجائب الزمان بسحره وجمال طبيعته وروعة مناظره وجلال ماضيه وحاضره:
 


فَتَحَــــدَّرْتَ فِـي الزَّمَـــانِ وأَفْرَغْـــــــــتًَ                      
                                           
عَلَى الـشَّــــرْقِ جَــنَّـةً مِنْ رُضَـــابِـكْ     
بَـيْـنَ أحْـــضَــــانِــكَ الـعِـــراضِ وفـي                              
                                               
كَفَّيْكَ تارِيخُــــهُ وتَحْتَ ثِيـابِكْ    
مَـخَرَتْكَ القُـرُونُ تَشْمُــرُ عَن سَاقٍ
                               بَـعِــيـدِ الُخطَــى قَـوِيِّ الـسَّــنَـابِـكْ
يَـتَـوَثَّـبْـنَ فـي الضِّــــفَــــافِ خِـــفَـــافـاً
                            ثُـمَّ يَرْكُضْــنَ فـي مَمَــرِّ شِـعـابِكْ
عَـجَـبٌ أنْتَ صَـاعِـــداً في مَـرَاقِـيـكَ
                           لَـعَـمْــرِي أَوْ هَابِطَاً في انْصِــبَـابِكْ
مُـجْـــتَـلَـى قُـــــوَّةٍ ومَــسْــــــــرَحُ أَفْـكَـــــارٍ
                            ومَـجْــلَــى عـَجِـــيـبَــةٍ كُلُّ مَـا بِـكْ
كَمْ نَبِيلٍ بِمَجْدِ مَاضِيكَ مَأْخُوذٌ
                             وكَـــمْ وَاقِــــــــــفٍ عَـلَـى أَعْـــــتَــابِـكْ
ذَاهِــــــلاً يَكْحَـــــــــــلُ الـعُـــيُـــونَ بِـبَـرَّاقٍ
                           سَـــــنَـيٍّ مِــنْ لُـــؤْلُـــــــــــــؤيِّ تُــرابِـــكْ
وصَقِيلٍ في صَفْحَـــةِ الماءِ فَضْفَاضٍ
                              
نَـدِيٍّ مُـنَــضَّــــــــــــــــرٍّ مِــنْ إهَـــــــابِـكْ  
     



ثم يختم التيجاني رائعته مجسداً مدى اعتزاز أبناء الوادي وفخرهم بالانتساب إلى هذا النهر الخالد، وعمق انتمائهم إليه، فهو متغلغل في دواخلهم، يجري في الدماء، وينساب مع الأنفاس، وهم مهما بذلوا من غالٍ ونفيس للذب عنه والذود عن حياضه فإن الشعور بالتقصير عن أداء حقه عليهم يبقى ملازمًا لهم.
 



أيُّــهَــا الـنِّــيــلُ فِـي الْـقُــلُــــوبِ سَــــلامُ
                      الخُلْـدِ وَقْـفٌ علَى نَـضِـيرِ شَـبَابِكْ
أَنْتَ في مَـسْـلَكِ الـدِّمَــاءِ وفي
                   الأنْفَاسِ تَجْرِي مُدَوِّيًَا في انْسِيابِكْ
إنْ نُسِــبْـنـا إلَيْكَ في عِــــــزَّةِ الـوَاثِـقِ
                        رَاضِــينَ وَفْــــــــــــرَةً عـن نِــصَــــــــابِـكْ
أوْ رَفَــلْـنـَا فـي عَـــدْوَتَـيْــكَ مُـــدِلِّـيـنَ
                       عَـلَـى أُمَّـــــــــــــةِ بِـمَـــــا فـي كِتـَابِـكْ
أَوْ عَـشِـقْـنَـا فِيكَ الـجَــلالَ فلَـمَّــــــــا
                  نَقْـضِ حَــقَّ الذِّيَـادِ عَنْ مِحَـرابِكْ
أَوْ نَعِـمْــنَـا بِـكَ الـزَّمَــــانَ فَلَـــمْ نَـبْــلُ
                   بَـلاءَ الـجُـــــدُودِ في صَـــوْنِ غَــابِـكْ
 

ولعلنا بمشيئة الله تعالى نستعرض في العدد القادم رائعة جماع (رحلة النيل).