د. أحمد جاسم الساعي
استاذ تكنولوحيا التعليم المشارك
كلية التربية - جامعة قطر E-mail : al -saai@qu.edu.qa
يشهد عالم اليوم، ثورة تكنولوجية رقمية كاسحة، أدت إلى ظهور موجة من التغيرات
والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم بأسره من شرقه إلى غربه.
وهذا بدوره تسبب في حدوث تقلبات وتحديات كثيرة، وتغيرات سريعة تفرضها هذه
التكنولوجيا بكل وسائلها وأدواتها، من كمبيوتر، وألعاب فيديو، وهواتف نقالة،
وفضائيات، وغيرها من وسائل التسلية والترفيه، والاتصال والتواصل التكنولوجي
والإلكتروني، وخصوصا شبكة الانترنت Internet وتكنولوجيا المعلومات، وكافة وسائل
الاتصال الحديثة، والتي بدورها قربت المسافات، وجعلت من العالم كله بحجمه الكبير،
واتساعه المترامي الأطراف، قرية صغيرة، يطوفها الفرد في سويعات قليلة وهو جالس على
مقعده في البيت أو المكتب، وبشكل يومي أو شبه يومي. وعلى الرغم من إيجابيات هذه الثورة في تقريب المسافات، وإتاحة فرص الاتصال المباشر
بين الأفراد بالصوت والصورة في الكثير من الأوقات، وحل المشكلات، وخدمة البشرية في
مجالات متعددة كالصناعة، والسياسة، والاقتصاد، والطب، والهندسة، والتعليم، وغيرها
من المجالات الحياتية الحيوية الأخرى، إلا أنها أثرت سلبا على الكثير من المجتمعات
العربية منها وغير العربية. فقد أثرت هذه التكنولوجيا دون شك في ثقافة الأفراد
صغاراً وكباراً، إناثاً وذكوراً، وفي سلوكياتهم، وتصرفاتهم اليومية، ولغتهم القومية
والمحلية. كما أثرت على علاقاتهم الاجتماعية فيما بينهم وبين عائلاتهم من ناحية،
وبينهم وبين زملائهم أو أقرانهم من فئاتهم العمرية من ناحية أخرى. فمن الناحية
الثقافية على سبيل المثال، كان لهذه التكنولوجيا أثر بالغ على قيمهم ومبادئهم
الأصيلة المستمدة من دينهم، وعادتهم، وتقاليدهم، وأعرافهم المجتمعية، فما هو عادي
في مجتمع ربما يكون غير عادي أو محرم في مجتمع آخر، مما يشكل نوع من التصادم بين
الثقافات، والتناقضات، والخلط في المفاهيم بين أفراد المجتمعات من جهة، وأفراد
المجتمع الواحد من جهة أخرى. ناهيك عن ثقافة البلوتوث Bluetooth عبر الهواتف
النقالة، وما ترسخه من عادات سيئة بين الشبيبة من الجنسين من معاكسات، ونشر الصور
الإباحية، وإفساد أخلاق شباب المجتمع الواحد. أما فيما يتعلق بتأثير هذه التقنيات على الجانب اللغوي، فمن الملاحظ أن هناك تأثير
كمبيوتري على المجتمع، حيث تلوح في أفق كل مجتمع لغة أخرى مدرجة في لغات التخاطب
بين أفراد الفئة العمرية الواحدة. وقد ظهرت هذه الثقافة جلية واضحة من خلال تداول
مصطلحات غريبة على المجتمعات بكل هويتها العربية منها وغير العربية، فهناك مفاهيم
مثل الانترنت Internet، والجات (أو الشات) Chat، والمسنجير Messenger، والدونلود
Download، وميجابايت Megabyte، والممري Memory، والفلاش ممري Flash Memory، وغيرها
من المفاهيم والمصطلحات الدارجة والشائعة بين أفراد المجتمع بكل طوائفه وطبقاته
وفئاته. أما فيما يتعلق بالناحية الاجتماعية، ونتيجة لانشغال الفرد بالكمبيوتر والإنترنت
لساعات طويلة يومياً يبحث ويبحر في أعماقها، فينعكس ذلك ولا شك على علاقاته
الاجتماعية حيث العزلة التي يفرضها على نفسه بانهماكه وانغماسه في أجواء مواقع
الإنترنت بكل أنواعها وأشكالها الجيد منها وغير الجيد للإطلاع على الغث والسمين،
مما قد يحرمه من التواصل المباشر وجها لوجه بينه وبين أفراد أسرته في البيت الواحد.
وفيما يتعلق بالأضرار الصحية لطوفان التكنولوجيا، فلا يمكن تجاهل الأضرار الصحية
المتمثلة في آلام الظهر والعمود الفقري نتيجة للجلوس لساعات طويلة أمام جهاز
الكمبيوتر، ناهيك عن التأثير السلبي والمباشر على حاسة البصر وشبكية العين، والتسبب
بالشعور بالغثيان وفقا لما أوردته الدراسات في هذا المجال. و يلاحظ أن كل السلبيات الآنفة الذكر، يمكن أن تحدث للأبناء في غياب تام للآباء
وأولياء الأمور، ولذا، ينصح أن لا تترك الأمور على عواهنها، ولا يترك الحبل على
الغارب للأبناء، بل لابد من تدخل الآباء، وأولياء الأمور في الوقت المناسب بالنصح
والتوجيه إلى سلبيات ومخاطر هذه التقنيات أحياناً، والتحذير من عواقبها، ومراقبة
سلوكيات الأبناء وتعديلها أحياناً أخرى، ومحاولة إبعادهم قدر الإمكان عن هذه
الأجواء، بشغل أوقات فراغهم بحاجات أخرى مفيدة تعود عليهم بالنفع، وتلبي احتياجاتهم
وتثير اهتمامهم في نفس الوقت.