|
في جامعة بيزا بإيطاليا (موطن روميو وجولييت) أجرى
باحثون مجموعة اختبارات على عدد من الطلاب الذين وقعوا بالحب فأظهرت
النتائج تشابه حالاتهم مع حال المصابين بأعراض الهوس غير الإرادي الذي
يعرف ب Involuntry mania وتبين أن دم العشاق هؤلاء فقد نحو 40% من
البروتين الذي يساعد على إفراز مادة (السيروتونين) Serotonin التي تعمل
عمل الوسيط أو الناقل الكيميائي بين الخلايا العصبية, وهذه المادة
تنتجها خلايا الدماغ البشري, وهي تحدد سلوك الإنسان مثل شعوره بالألم
ونظام نومه ومشاعره وسلوكه الجنسي...الخ ,وأظهرت الدراسة أيضا أن مرحلة
الوقوع بالحب تتغير بعد مرور (6_18 شهرا) فهي إما أن تنتهي بشكل قاطع
وتخمد نار الحب وإما أن تتحول إلى حب هادئ مصحوب بمستويات طبيعية من
السيروتونين.
إلا أن هذه الدراسة لا تبين لنا ما إذا كانت هذه التغيرات في سوائل
الجسد هي التي تشعل نار الحب أم أن الحب نفسه هو الذي يهيج هذه المواد
الكيميائية ويخل بميزانها وبمعنى آخر من يقوم بمقام الإشعال والإيقاد
لمشاعر الحب هل هو الجسد والمادة أم النفس وما يختلج فيها من
أحاسيس.على أن هذه الدراسة ممكن توضح العديد من الأمور المبهمة وتضع
تفسيرا لبعض العلامات والأمارات المصاحبة للذي يعيش قصة حب ,لعل من
أبرزها ما يحدث للمحب من ارتباك عندما يلتقي بمحبوبه ويتحدث معه لأول
مرة, ارتباك يثير الضحك والإشفاق معا, فيكون معظم كلامه عبارة عن همهمة
وغمغمة و(تأتأة) ربما لا يستطيع الطرف الآخر بيان حروفها فضلا عن
كلماتها, برغم أن هذا الإنسان نفسه في غير هذا المورد وفي بقية مواقف
حياته تجده فصيحًا حازمًا واضحًا فيما يفعل ويقول.
وعلى كل حال على الطرف الذي يعاني من هذه الحالة أن لا يخجل مما يعتريه
من ضعف في التعبير والتصرف فهو أمر عادي بالنسبة للذي تشتعل في داخله
مشاعر المودة والحب وتلتهب في صدره نيران اليأس والخوف معًا, وهو كذلك
أمر طبيعي للغاية نتيجة النقص الكبير في مادة السيروتونين, وعلى الطرف
الآخر سواء كان رجلا أو امرأة أن لا يعتبر هذا النوع من الضعف في
التعبير عن النفس علامة سلبية بإيجابية لأنها أحد المؤشرات التي تؤكد
صدق المحب وإخلاصه في مشاعره, والإخلاص والصدق هما ركنان مهمان في أي
علاقة, فكيف بأجمل وأغلى علاقة وهي الحب.
وهذه الحالة من (الهذيان اللغوي) التي تعتري المحب والمعجب عموما لا
تعترف بصغير أو كبير عالم أو جاهل غني أو فقير وقد عانى منها الكثير
نساء ورجالا, ومن ضمنهم عملاق الأدب العربي علي بن محمد بن أحمد
المشهور بأبي حيان التوحيدي (توفى في حدود 400هـ), وقد نظمها في بيتين
من الشعر لعلهما الأجمل في هذا المضمار يقول أبو حيان معتذرًا لمحبوبه
:
قل لبدر الدجى وبحر السماحـة
والذي راحــتاه للناس راحـــة
ما تركت الحضور سهوا ولكن
أنت بحر ولست أدري السباحة |
وعندما يعجز أديب بحجم أبي حيان التوحيدي في التعبير
عما يجيش في قلبه من مشاعر الحب يعجب المرء ويندهش وتزداد هذه الدهشة
وهذا العجب أكثر فأكثر عندما يطالع بعضا من كتبه مثل الإمتاع والمؤانسة
والصداقة والصديق والإشارات الإلهية والبصائر والذخائر, ويقرأ أسلوبه
فيها وجمال عباراته ورقتها وفخامتها وقوة تركيبها ووضوح معانيها ومتانة
مبانيها, نعم الحب وحده عطل آليات وأدوات أبو حيان اللغوية فأضحى
ضعيفاً لا يقدر على السباحة في نهر الكلمات وبحر المشاعر, رغم كونه
إمام البلغاء, والحب أسقط أسلحته الفلسفية من منطق وتفكر ومقدمات
برهانية, رغم كونه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة , والحب ألغى معارفه
الإسلامية, رغم كونه أحد علماء الصوفية المتألهين, لقد فعل الحب
الأفاعيل في هذا الرجل المتعدد المواهب, وظاهر الأمر أن أبو حيان
التوحيدي عاش قصة حب عنيفة تغلغلت فيه حتى الأعماق ومال إلى امرأة لم
يذكرها لنا التاريخ ميلا عظيمًا حتى أصبحت في دمه ونخاعه(بدلا من مادة
السيروتونين) وفي ذلك يقول لصاحبيه اللذين عاتباه في حبه لتلك المرأة
وإصراره عليها:
|
يا صاحبي دعا الملامة واقصرا
ترك الهوى يا صاحبي خسارة
كم لمت قلبي كي يفيق فقــال
ليلجن يمين مالها كفارة
أن لا أفيق ولا أفتر لحظة
إن أنت لم تعشق فأنت حجارة
الحب أول ما يكون بنظــرة
وكذا الحريق بداء ه بشرارة
يا من أحب ولا أسمي باسمها
إياك أعـني فاسمعي يا جـارة
|
وقد تستمر حالة الارتباك اللغوي والتشتت الذهني
والعاطفي في اللقاء الثاني والثالث أيضًا حسب ظروف تلك العلاقة وسعي كل
من الطرفين إلى وضعها في الإطار السليم والصحيح لها, وأحيانًا تبدأ
العلاقة بنوع من الزمالة أو الصداقة ثم تتحول تدريجيًا لعلاقة حب ومودة
فتظهر حالة الارتباك على الطرفين معًا, وعلى العموم فإن الارتباك ما هو
إلا أحد المشاعر التي تنتاب المحب وهناك أعراض وعلامات أخرى كثيرة قد
أفاض أحد أبرز علماء المسلمين في ذكرها وبيانها وضبطها, ألا وهو علي بن
أحمد بن سعيد المعروف بابن حزم الأندلسي المتبحر في مختلف العلوم
الشرعية والطبيعية والإنسانية وسوف أعرض مقتطفات من كتابه الذي خصصه
للحب كما سأعرض المزيد من المعلومات حول مادة السيروتونين وتأثيرها
الخطير في حالة زيادتها ونقصانها في الجسم.
|