للصحة النفسية

أمور لا تحتمل التأجيل
 


د. مها الهنداوي
مدرس بجامعة قطر
استشاري مركز الاستشارات العائلية
 


صباح الأمس، استوقفتني إحدى طالباتي في الجامعة، تسألني عن مشكلة تواجهها وتؤرقها ألا وهي "كثرة النسيان، وعدم القدرة على القيام بالمهام المطلوبة" ظنًا منها أنها بوادر كبر السن أو بسبب الزواج والأولاد والبيت... .
في حقيقة الأمر أنه كلما كبر الإنسان كبرت معه مسؤولياته وواجباته، فمسؤوليات الطفل تقتصر على الأكل والنوم واللعب، ثم تضاف مسؤولية الدراسة، وهكذا تزداد المسؤوليات بازدياد العمر، وبالتالي يحتاج الفرد منا إلى تعلم سلوكيات جديدة تجعلنا نتمتع بصحة نفسية بعيدة عن ضغوطات الحياة، من هذه السلوكيات تنظيم الوقت وعدم التأجيل، وكذلك نحتاج إلى تغيير بعض المفاهيم ومحاولة التخلص أيضًا من بعض الكلمات التي كثيرًا ما نستخدمها مثل " بكرة، بعد شوي، بعدين، توه الناس..."
هل لديك عدة أعمال مؤجلة؟ هل تخطط كثيرًا لكن دون تنفيذ؟ هل تلوم الآخرين أو الظروف من حولك؟ كم مرة أجّلت أعمالاً؟
قد تبدو مسألة التأجيل بسيطة إلا أنها في غاية الأهمية حيث لها تأثيرات نفسية عميقة علينا جميعًا، فطالب المدرسة الذي يؤجل الدراسة للامتحان أو عمل الواجبات ينتهي بقلق، واكتئاب نفسي أو خوف وحرج وقد يصاب بالفشل أحيانًا.
في العمل، التأجيل يعكس أمورًا منها غضب الموظف، عدم استمتاعه بما يقوم به أو عدم إحساسه بالمسؤولية أو غياب الضمير، أما فيما يتعلق في العلاقات الزوجية فالتأجيل يسبب كثير من المشكلات وقد ينهي العلاقة الزوجية في كثير من الأحيان، وغالبًا نجد في العيادة النفسية زوجة تشتكي من أن الزوج يؤجل القيام ببعض الأمور فبينما تنتظر الزوجة تحقيق الأشياء بشغف يقوم الزوج بالتأجيل وذلك بقوله: إن شاء الله- ومن هنا يحدث الصدام.إن الزوجة تفسر التأجيل على أنه عدم إحساس بالمسؤولية ونتيجة لكسل، أو إهمال....
التأجيل صفة تبدأ منذ الصغر حيث تطلب الأم شيئًا من ابنها فيقول لها: "بعدين..بعدين" ثم يومًا بعد يوم يتعلم التأجيل، يؤجل المذاكرة، والذهاب إلى الطبيب، وأعمال الصيانة في المنزل، ومن ثم تأجيل أعماله الخاصة وأعمال الآخرين.
يبدو أننا نستمتع بالتأجيل على الرغم مما يؤدي إليه من توتر، وقلق، وندم، وفشل أحيانًا.
من أجمل ما قرأت "اعمل ما ينبغي عمله، عندما يجب عمله، بأفضل طريقة ممكنة، وقم بذلك دائمًا " هذه المقولة تلخص استراتيجية هامة، باتباعها نستطيع أن نغير حياتنا للأفضل، فهي تلخص القيام بالأعمال الموكولة للشخص مع الالتزام بالوقت وبالجودة والإتقان مع الثبات والاستمرارية.
إليك بعض الأمور التي تساعدك على تنظيم وقتك وتخلصّك من صفة التأجيل:
لابد أن تؤمن أن التغيير ممكن.
فكّر بجدية كم من الوقت تقضيه في " السوالف المتكررة، وشرب القهوة والشاي؟"
قل لنفسك توقفي عن إضاعة الوقت، وابدأ الآن فور انتهائك من القراءة.
قل لمن حولك أنك تريد أن تغير سلوكك كي تحصل على المساعدة والدعم ممن حولك.
هناك أمور كثيرة تستهوينا لكنها غير عاجلة، يمكننا تأجيلها مثل (التلفزيون، الإنترنت، التليفون..)
قسّم العمل الكبير إلى أعمال بسيطة أو أجزاء.
غير فكرتك عن نفسك.
لا تقل لنفسك أو للآخرين أنك من النوع الذي يؤجل؛ لأنه مع الوقت ستصبح كذلك وستلصق بك هذه الصفة.
دائمًا اسأل نفسك، ماذا تفعل الآن؟ ولماذا؟ هل أنت تشاهد التلفزيون الآن؟ ولماذا؟ هل أنت تتحدث مع شخص ما في التليفون ولم؟
عندما تريد أن ترفّه عن نفسك يجب أن يكون ذلك مقابل شئ قد قمت به، فكر هل أنجزت شيئًا حتى تذهب إلى السينما مثلاً أو إذا كنت تشاهد التلفزيون مدة ساعة، هل بالمقابل أديت أعمالك الأخرى.
كل مساء راجع ماتريد عمله، وما قمت به.
تذكر أنك عندما تؤجل تجلب لنفسك مشاكل أنت في غنى عنها.
قل "لا" لمن يحاول إضاعة وقتك أو يجرفك نحو التأجيل.