|
رحــلة النـيــــل
إســــــمــاعـيــل الـبـشــــــــير عــلــي
إدارة الإعلام - مؤسسة حمد الطبية
رائعة "جمَّاع" وجوهرة أشعاره
النيل معلم بارز من معالم أرض السودان، ومفخرة من أجل المفاخر التي يعتز
بها أبناء شعبه، فإن ابتعد عنه أحدهم ظل في حنين لا ينقطع إلي شواطئه
الساحرة، وأمواجه الزاخرة، وخمائله الفينانة. قال الشاعر السوداني د. عبدالله الطيب، في ديوانه بنات رامة:
|
أَلا إنَّ وادِي الـنـِّيـــلِ مـِنْكَ بَـعيـــــدٌ
فَهَـــــلْ أنْتَ لَـمَّــا أَنْ نَأَيْـتَ سَـــعِـيـدُ
تَـذَكَّـــــرْتَـهُ لـَمّـَـــا صَـــرِمْـتَ حِـبـَــالَـهُ
وَهَلْ يَصْرِمَنَّ الحَبْلَ مِنْكَ عَمِيدُ
فَيَالَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَمِيسَ كَعَهْدِها
ولَــــمْ تَتَبَـــدَّلْ مِـنْ لَـمِـيـسَ عُـهُـــودُ
وَمَـا هِـيَ إلا غَــــادَةٌ قَــــدْ أَلِـفْـتـــــَـهـا
لَدَى النِّيـلِ بَيْنَ الدَّوْحَـتَين تَـمِيـدُ
|
وإذا عاد إليه ظل، وهو بقربه، في ظمأ دائم إلى تياره الهادر، وعبابه
الزاخر، ومياهه التي تحمل الخصب والنماء. قال الشاعر السوداني محمد محمد علي في ديوانه ألحان وأشجان:
|
ظَمِئْـنا إلى أمْواجِكَ الحـُمْرِ إنـَّها
جَـمَـــــالٌ وعِـرفَــــانٌ وبَـعْــثٌ ونــــائـلُ
فـهُـنَّ تُــــــــراثٌ مِـن رِجَـــــــالٍ أعـــِـــزَّةٍ
وهُــنَّ دَمٌ مِـنَّــا بِـمَـجْــــراكَ سَـــــائـلُ
حَـمَـيْناكَ بالأرْواحِ مِن كُلِّ غـاصِبٍ
وطَهَّــــرَ شَطَّيْكَ الُأبَـــاةُ البَواسِــــلُ
|
ومن الشعراء السودانيين الذين ألقوا بسهمهم في هذا المضمار، الشاعر إدريس
محمد جماع، في رائعته رحلة النيل، التي يصف فيها مسيرة النيل الخالد من
المنبع نحو المصب، عبر المدن والأرياف، والسهول والوهاد، والصحارى والنجاد،
متدفقًا على مر الأزمنة والآباد. جماع شاعر من جيل مؤتمر الخريجين الذي حمل لواء النضال ضد الاستعمار
البريطاني للسودان، وقد ولد الشاعر في حلفاية الملوك، إحدى ضواحي الخرطوم
بحري، عام 1922م، وتوفي عام 1980م، وتلقى تعليمه بالسودان ومصر، وحصل على
ليسانس اللغة العربية من كلية دار العلوم بالقاهرة، بالإضافة إلى دبلوم
التربية من معهد بخت الرضا، وعمل في مجال التعليم بالسودان. وجماع شاعر
مرهف الحس، عميق المعاني، ثاقب القريحة، كثيرًا ما يصف في شعره لواعج
الوجدان، وخلجات الحنايا والجوانح.له ديوان شعر مطبوع بعنوان: لحظات باقية،
تغلب عليه القصائد الوطنية والإنسانية والرومانسية. ولقصيدة رحلة النيل قصة قديمة أيام كان جماع طالبًا بكلية دار العلوم بمصر،
فقد نظمت مجلة روز اليوسف، مسابقة شعرية عامة لأجمل قصيدة في وصف النيل،
ورصدت لذلك جائزة سنية، ففازت هذه القصيدة بالجائزة الأولى، ونشرت المجلة
الخبر، مقتطفةً بعض أبياتها التي يصف فيها هدير النيل وفورته عندما تعترض
سبيله الشلالات والجنادل:
|
إذا الـجَـنَـادِلُ قـامَتْ دُونَ مَـسْـرَبِـهِ
أَرْغَـى وأزْبَــدَ فـيــهـا وَهْـوَ غَـضْـبـانُ
ونَشَّرَ الهَـوْلَ فـي الآفاقِ مُحْتَدِمَاً
جَـمَّ الـهِـيـــاجِ كَـــأنَّ الـمَـــاءَ بُرْكـــانُ
وحَـــوَّلَ الصَّــخْـرَ ذَرَّاً فـي مَـسـارِبِـهِ
فبَـــاتَ وهْـوَ عَلَى الشَّطَّـينِ كُثْـبـانُ
عَزيمَـةُ النِّيلِ تُفْني الصَّخْـرَ فَوْرَتُها
فكَيــْفَ إنْ مَسَّـــهُ بالضَّــيمِ إنْـسـانُ
|
ولعل أجمل ما في هذه الأبيات انتقال الشاعر في البيت الأخير من الحديث عن
النيل كمعلم جغرافي، ومجرى مائي، إلى تجسيده شعبًا وأمةً تقطن واديه وتحمي
ذماره، وهذا ما يسميه نقاد الشعر الاستطراد، وهو من أروع الصور البلاغية. يستهل جماع قصيدته بهذا المطلع البديع الذي يصف فيه النيل بأنه سلافة مدام
وساكنوه ندامى تسكرهم نشوته وتتجاوب قلوبهم مع خفقات أمواجه:
|
النِّيلُ مِن نَشْوَةِ الصَّهْـباءِ سَلْسَلهُ
وســـاكِنُـو النِّيـلِ سُـــــمَّـارٌ ونُـدْمـــانُ
وخَفْقَـةُ الـمَـوْجِ أشْجـانٌ تـُجـاوِبُـها
مِن القُـلـوبِ الْتِـفـــاتـاتٌ وأشْجـانُ
|
ثم انتقل الشاعر إلى وصف جماليات النيل، وروعة الطبيعة التي تحف به، راسمًا
لوحة رومانسية تأسر الألباب وتأخذ بمجامع القلوب:
|
كُلُّ الـحَـيـــاةِ رَبِـيـعٌ مُـشْـــرِقٌ نـَضِـرٌ
فـي جانِبيهِ وكُلُّ العُمْـرِ رَيْـعـانُ
تَمْشِي الأصائِلُ في واديهِ حَالِـمَة
يـَحُـفُّـهــــا مَوْكِــبٌ بالـعِـطْـــرِ رَيَّــــان
وللْخَـمَـــــائِـلِ شَــــدْوٌ فـي جَـــوانِـبِـهِ
لُـهُ صَدىً في رِحابِ النَّفْـسِ رَنَّـانُ
إذا العَـنادِلُ حَـيَّا الـنِّيـلَ صـادِحُها
واللَيْـلُ سَـاجٍ، فصَـمْـتُ اللَيْـلِ آذانُ
حتَّى إذا ابْتَسَمَ الفَجْرُ النَّضيُر لها
وبـاكَـرَتْـهُ أَهَـازيـجٌ وألْـحَـــانُ
تَـحَــــدَّرَ الـنُّـــورُ مِن آفــاقِــهِ طَــــرِبـًا
واسْتَقْبَلَتْهُ الرَّوابِي، وهْـوَ نَـشْـوان
|
|