في يوم من أيام العيادة دخل سائق هندي المستوصف ومعه ورقة مكتوب عليها رسالة
قصيرة تطلب من دكتور المستوصف الحضور للبيت والغريب أن هذه الرسالة لم يكن
عليها اسم ولا وصف لحالة المريض المطلوب زيارته بل لا نعرف إن كان المريض ذكرًا
أو أنثى كبيرًا أو صغيرًا، كل ما نعرفه هو هذه الورقة مع رقم تليفون والسائق
الذي يقول : «ماما يقول روح جيب طبيب».
لقد حاولنا الاتصال بالبيت لاستيضاح الأمر ولم ترد علينا إلا الشغالات ولم يكن
بوسعنا إلا أن نطلب من السائق أن يحضر أحد أفراد الأسرة لنعرف المشكلة، وذهب
السائق وعاد بالبطاقة المدنية للمريضة مع بطاقة ابنتها ويقول «ماما يقول روح
جيب طبيب».
أقول لكم الصراحة لقد غضبت جدًا من هذا التصرف فنحن -أطباء العائلة- أطباء
متخصصون ولسنا في مطعم وجبات سريعة ولا يجوز أبدًا أن نستدعي الطبيب بهذه
الطريق المهينة، فهنالك أصول للتعامل يجب على الطرفين معرفتها، وهنالك احترام
للمهنة وللطبيب حتى يكون هناك أصلاً علاقة مهنية مفيدة وصحية للطرفين، ومهما
كانت الظروف فلا يمكن قبول استدعاء الطبيب للزيارة المنزلية بهذه الطريقة.
المهم كتبت على نفس الورقة إياها رسالة لأهل المريضة أطلب منهم الحضور
للعيادة لاستيضاح الأمر، وفعلاً حضرت ابنة المريضة وذهبنا لزيارة المريضة في
البيت، ولم تكن حالة خطيرة، ولكنها كانت تستدعي المتابعة الطبية مع توضيح بعض
التعليمات الصحية لعلاج المريضة والعناية بها، وكنت مترددًا أن أفتح هذا
الموضوع معهم وقررت أن لا أفتح الموضوع، وذلك لانتفاء النية السيئة في الأمر
كله فهم متعودون كلما سافروا أن يتصلوا بمدير الفندق ليحضر الطبيب إلى غرفتهم
وكان هو الحال هنا. المهم طلعنا منهم بالذكرى الطيبة والحمد لله على كل حال.
إن من مهمات طبيب العائلة تقدير الموقف وتقدير التصرف المناسب له دون إخلال
بأهمية توثيق العلاقة بين الطبيب والمريض وهو ما يغفل عنه كثير من الأطباء بل
وحتى المسؤولين عن الخدمات الصحية، ومن هنا تأتي قواعد طب العائلة لتحدد كيفية
التعامل مع هذه الحالات بطريقة علمية سليمة وشعارنا دائمًا كلام سيد الخلق
-صلى الله عليه وسلم (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني
مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا)، ومع السلامة.
